الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: تربيتنا الروحية
المؤلف: سعيد حوى
التصنيف: أسرة
 

محتويات الكتاب

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

 

هذه هي الرسالة التاسعة في سلسلة "في البناء". وكنت متردداً أن أجعلها هي والرسالة الثامنة التي عنوانها (جولات في الفقهين الكبير والأكبر) ثم رأيت أنه قد لا تتاح لي فرصة الكتابة في موضوع الفقهين الكبير والأكبر ثم إن سلسلة الأساس في النهج قد تغني إلى حد كبير عنها ولذلك جعلت هاتين الرسالتين جزءاً من / سلسلة في البناء / لأن رسالة جولات لها صلة في البناء الثقافي للحركة الاسلامية ولأن هذه الرسالة لها صلة في البناء الروحي والثقافي لهذه الحركة فاستقررت على أن تكون هاتان الرسالتان من هذه السلسلة. والذي دعاني إلى كتابة هذه الرسالة أمور:

1-               حاجة الحركة الإسلامية إلى نظرية واضحة عن التصوف وعن السير الروحي بآن واحد. إن النظرة الواضحة عن التصوف تعصم عن الانجراف في تياره الغالي أو في التيار المعادي على غير بصيرة. والسير الروحي لأبناء الحركة الاسلامية شيء لا بد منه ومن ثم كان الفقه فيه كالفقه في قضايا التنظيم والتنفيذ والتعريف وغير ذلك من أمور لا يسع المسلم المعاصر أن لا يكون له صلة نظرية وعملية فيها.

2-               ندرة الكتاب الصوفي المحرر على ضوء عقيدة أهل السنة والجماعة ومذاهبهم الفقهية حتى إنني كنت استشعر حرجاً أن أذكر لإنسان كتاباً في التصوف وذلك لأن الكثير من كتب التصوف داخلها ما لا يرتاح له العليم فتجد عبارات غير منضبطة أو شطحات غير متزنة أو تصحيحاً لأمر على حساب أمر فكان لا بد من كتاب يضع الأمور في مواضعها ليكون بمثابة ميزان يستطيع المسلم منه أن ينطلق ليقرأ في كتب التصوف على بصيرة فيما ينبغي أن يأخذ أو يدع على ضوء ضوابط سليمة ترتاح لها قلوب المنصفين.

3-               إن كثيرين ممن كتبوا في هذا العلم جعلوه علم الخاصة مع أنه العلم الذي يطالب به كل إنسان لإرتباطه بقضايا يطالب بها كل إنسان لصحة القلب وزكاة النفس وغير ذلك من أمور كلها تكليفية في حق عامة الخلق فكان لا بد من كتاب يجعل الأمر في محله.

4-               ثم إن هذا العلم في مسيرته التاريخية اختلط فيه أكثر من أي علم آخر أمور جعلته أحياناً كالألغاز وجعلته أحياناً وكأنه شيء آخر غير العلم وغير النصوص وجعلته أحياناً مستقلاً عن علوم التوحيد والفقه وأصول الفقه بل جعلته أحياناً إلهامياً له قوة الوحي في التشريع أو في التقرير وكل ذلك عجيب غريب في علم يجب أن يكون كبقية العلوم الاسلامية محرراً منقحاً، إنه من العجيب ان قارئ كتب التصوف يشعر أنه أمام ألغاز وراء الدين وبدلاً من أن يكون هذا العلم طريقاً للتحقق بالنصوص جعلوا التصوف شيئاً وراء النصوص وذلك ما يجرح كبد الفقيه ومن ثم فإني لم استشعر اطمئناناً إلا نادراً أن أدل إنساناً على كتاب تصوف ما لم يكن هذا الإنسان فقيهاً وعنده وسوسة الفقيه في تقليب الرأي فيما يقرأ، فيما إذا كان ما يقرؤه منطبقاً على النصوص. وإذا كان من طبعي ألا أقول ما يجرح مشاعر مسلم في قضية تحتمل أكثر من وجه فإني لا أرغب في التدليل بأن أنقل وأقبل وأرد.

ولعل أبشع ما في الأمر أن نجد كثيراً من المتحذلقين يأتون إلى آية من آيات الله لا تفهم إلا من وجه واحد ويحاولون أن يعطوها مضامين أخرى ويبنون على مثل هذا جبالاً من الأمور والمسائل والأمر كله وهم أو تحريف وكان يغنيهم عن هذا كله الوقوف عند النصوص ومحاولة فهمها وتفهيمها والسير للتحقق بها إنه لو كان ذلك لكان جيداً بل وكمالاً وهذا الذي نريد تحقيقه في هذه الرسالة وهذا الذي حاولناه مع غيره في سلسلة / الأساس في المنهج/ .

5-               ثم إن أكثر المشتغلين في هذا العلم تصوراتهم الإسلامية قاصرة ومفاهيمهم ضيقة ويعيشون بعيدين عن عصرهم وعن بديهيات الإسلام التي لا ينبغي أن تغيب عن مسلم معاصر. فأن يبقى هذا هذا العلم قصراً على هؤلاء فإن في ذلك إبقاءً لمريدي السير إلى الله في أجواء غير صحيحة فكان لا بد للحركة الإسلامية الجهادية أن تبلور هذا الموضوع كما بلورت غيره من الأمور التي تشكل ألف باء الفهم للإسلام وللعمل المعاصر من أجله. ولئن مرت عصور كان للتصوف الجاهل وللصوفية الجهلة دور في إغفال قضية الجهاد فقد آن الآوان أن يعود التصوف إلى وضعه الطبيعي فيكون في خدمة قضية الجهاد كما هو الشأن في كثير من الحالات التي انبثق فيها عن التربية الصوفية عمل جهادي وإن ننس فلا ننسى ثورة الشيخ سعيد الكردي النقشبندي في تركيا وثورة الشيخ شامل النقشبندي في تركستان وحركة عالم كبير في الهند التي هي أثر عن جهود الشيخ الفاروقي المجددي وحركة السنوسيين في ليبيا وحركة الدراويش في السودان. هذه معان وغيرها كثير سنراها كانت دافعاً نحو تأليف هذه الرسالة.

وكل مسلم في الحقيقة سائر إلى الله ما دام يفعل ما أمره الله عز وجل وله حظه من مقامات السير بذلك ولكن البحث عن الكمال الوصول إليه وإتيان البيوت من أبوابها ومعرفة المصادر والموارد والبدايات والنهايات والحدود والقيود للمقامات كلها دنياها وعلياها. هذا الذي يطلق عليه اسم السير الكامل ومن هنا ندرك غلط الذي لا يتصور أي سير لله عز وجل إلا من خلال التصوف. وندرك خطأ الذي يأخذ على أصل وجود طريق التصوف والسير فيه وهو شيء ذكرناه في كتاب جولات رداً على من ينكر وجود علم التصوف وهنا نريد أن نرد على غلاة الصوفية الذين لا يتصورون سيراً إلى الله بدون سير على يدي أهل الطريق إذ الصحابة رضوان الله عنهم ومن بعدهم إلى أن تقعدت قواعد علم التصوف ما كان لهم همّñ إلا دراسة الكتاب والسنة وتطبيق ذلك فإن لم يكن هذا سيراً فما هو السير؟ ومن هذه النقاط البسيطة يستطيع المسلم أن يدرك بعض ملامح هذه الرسالة فلنكتف في هذه المقدمة بذلك. ولا شك أن الكتابة في هذا الموضوع ستثير كثيرين أصبح التصوف عندهم هو رأس البلاء وسبب الفساد. ولا شك أن هناك أسباباً كثيرة أوصلت هؤلاء إلى مثل هذه النتائج وهذا الوضع وجود هذه الأسباب ومع وجود هؤلاء الناس كتبت هذه الرسالة واعتبر كتابتي لها فريضة، فنحن في عصر مادي وهذا يقتضي منا أن نقابله بفكر مكافئ وبحيوية روحية عالية ونحن في عصر شهواني جاهلي وهذا يقتضي منا أن نقابله بأشواق روحية راقية مع تأمين الشهوات المباحة وإبقاء منافذها مفتوحة، ونحن في عصر قلما يوجد فيه من يضبط نفسه على مقتضى الأدب الإسلامي الرفيع وهذا يقتضي منا إلحاحاً على التربية النفسية الرفيعة وإذا كان هذا كله طريقه التصوف الصحيح السليم فإن الكتابة في ذلك أصبحت ضرورية، ثم إن الحركة الإسلامية الحديثة وهي حركة تجديدية في كل جوانب المجتمع الإسلامي لا بد... وأحد ملامحها الأصيلة أنها حقيقة صوفية من أن تكتب في هذا الموضوع فتجدد فيه معيدة إياه إلى أصوله الصحيحة ومنابعه الصافية ومبعدة عنه ما علق به من دخن كثير فتضع الأمور في مواضعها في هذا العلم وغيره. وإذا كانت هناك حساسيات عند أتباع هذا العلم فلا يقبلون مناقشة في عبارة من عبارات أهله أو في تصرف من تصرفاتهم، وإذا كانت هناك حساسيات عند المنكرين عليه فلا يقبلون اسمه ولا أهله ولا مباحثه ولا الكلام فيه فإن المجددين في هذه الأمة لا يسعهم أن يقابلوا أمثال هذا كله إلا بكلمة الحق الصادقة والواضعة الأمور في مواضعها فهذا وحده الذي يحسن بالعالم وتصلح به الأمة وإذا لم يفعل العالم ذلك فإنه لا يكون قد أدى الأمانة، أمانة العلم في جيله.

إن تسعين بالمائة من الأمة الإسلامية خلال قرون متعددة لهم صلة بالتصوف وأهله بشكل من الأشكال إما بالاشتغال فيه أو بالتلمذة على أهله أو بالصلة بهم أو بالثقة فيهم أو بالانتساب الاسمي لهم أو لمن تتلمذ عليهم ولا زال التصوف وأهله حتى الآن هم الذين يصلون إلى بيئات ومناطق لا يصل إليها غيرهم فإذا كان الأمر كذلك فإن هذا الأمر وحده كاف لأن يعطي المبرر الكبير للكتابة في هذا الموضوع لتحريره وتنقيحه ووضع الأمور في مواضعها فيه فلا يكفي أن تذكر الخطأ في شيء وإنما عليك أن تبين الصواب فيه ولا يكفي أن تهدم بل عليك أن تبني وعليك دائماً أن تقدم البديل الصالح للمبدل عنه الخاطئ خاصة إذا كان ما أنت فيه يستحيل الاستغناء عنه أو التفريط فيه أو تجاهله. لا بد من صيغة صحيحة كبديل عن الأساس الواهي أو الضعيف ولا بد من بيان الحق في كل أمر ومن جملة ذلك مباحث علم التصوف وأفعال أهله وأقوالهم وهذا وحده مبرر كاف للكتابة في هذا الموضوع على أن الأمر أوسع من ذلك وضرورات الكتابة في هذا الموضوع أكبر بكثير مما يظنه الظانون فالقلب والروح والنفس والعقل والجسد وأشياء كثيرة كبيرة كلها تقتضي بياناً من العاملين في الدعوة إلى الله وإذا لم يؤدواة واجب البيان الصحيح يبقى للضلال سلطانه على النفوس بواسطة البيان الخاطئ ويبقى للمستغلين لقضايا التطلعات العليا للقلوب والأرواح سلطانهم على من يسمع لهم دون أن يكون لديه ميزان صحيح أو معرفة سليمة من خلالها يعرف ما يسمع وما لا يسمع وما يقبل وما لا يقبل وما يجب فيه الرفض وما يجوز فيه القبول وما محل ما يلقى إليه وما يدعى إليه في شرع الله... وإني لأظن أن أكثر ما سيذهب الإتكار علي فيه في هذه الرسالة هو قضية الاسم فهناك ناس لا يطيقون أن يسمعوا اسم تصوف وصوفية ولهؤلاء أقول على رسلكم فهذا التاريخ بيني وبينكم إنه لم ينكر خلال العصور اسم التصوف أحد من الناس لأنه اصطلاح على علم كعلم النحو والبديع والمعاني والفقه وغير ذلك ولا مشاحة في الاصطلاح كما يقول العلماء وحتى في عصرنا هذه فتاوى ابن تيمية خرج منها مجلدان تحت اسم التصوف والأخلاق ولم أر على ذلك منكراً فأرجو التأني في الإنكار على قضية لا مبرر للإنكار فيها أصلاً إذ ما مبرر الإنكار على اسم مباح أطلق على علم من العلوم حتى أصبح علماً عليه فإذا تجاوزنا هذه النقطة وينبغي تجاوزها فإن المضمون هو الذي ينبغي أن يكون محل النقاش فليكن همنا هو الوصول إلى الحق في المضمون أكثر من مناقشة في جانب لا يترتب على النقاش فيه أي طائل.

ولقد حاولنا في هذه الرسالة أن نقدم نوعاً من التصوف المحرر على أصول الكتاب والسنة ومذاهب أهل الحق لإيماننا أن هذا وحده الذي يجب أن يكون وأن يصير إليه الناس جميعاً. فالطريق إلى الله لا يمكن أن يلغى بل يجب أن يوجد ولكن ينبغي أن يحرر ويدقق وتحرر مسائله تحريراً دقيقاً فليس الصوفية ولا غيرهم معصومين والمعصوم هو الكتاب والسنة وقديماً قال أكبر أعلام الصوفية في عصره أبو سليمان الداراني رحمه الله "ربما وقعت النكتة من كلام القوم في قلبي فلا أقبلها إلا بشاهدي عدل من الكتاب والسنة لأن الله عز وجل ضمن لي العصمة في الكتاب والسنة ولم يضمنها لي فيما سوى ذلك" ومن هنا ندرك خطأ الصوفي الذي يريد أن يجعل كل حرف قاله صوفي معصوماً والذي يريد أن يجعل لكتب الصوفية من العصمة ما للكتاب والسنة، إن أمثال هؤلاء لا فارق بينهم وبين غلاة اليهود والنصارى الذين قال الله عز وجل فيهم {إتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح بن مريم} فإن كان رأينا في أمثال هؤلاء كذلك فرأينا في الذين يرفضون أصل علم التصوف وما فيه لمجرد أن وجد خطأ فيه هو أن هؤلاء يجانبون الرأي الصحيح في هذا الموضوع فيقابلون خطأ بخطأ ويتصرفون برد فعل انفعالي غير عقلاني ولا متزن في هذا الموضوع... ولقد حاولنا في هذه الرسالة أن نضع قدم المسلم في سير إلى الله صحيح وخال من الخطأ وحاولنا أن نرسم الطريق لوجود طبقة من الورّاث الكاملين لرسول الله صلى الله عليه وسلم يحملون دعوة الله كاملة ويربون الناس ظاهراً وباطناً على الحق فإن أصبنا في ذلك فلله الحمد وإن أخطأنا فإننا نستغفر الله ونحن على استعداد إذا قامت الحجة على خطأ منا أن نتراجع عنه جهرة فإن الحق وحده هو الذي نحرص عليه ونحرص على التمسك به وإنّ في قول الله عز وجل {ونكتب ما قدموا وآثارهم} لعظة لنا ولغيرنا تحول دون مجانبة الحق خشية من الخلق، ونحب أن نؤكد أنه إذا كنا في هذه الرسالة قد حاولنا ابراز ماهية سير صوفي محرر فحملنا خلال ذلك على انحراف وصححنا خطأ وأيدنا حقاً فإننا في ذلك نأت بدعاً من الأمر فلم يزل العلماء خلال العصور يقررون السير إلى الله ويؤيدونه ويهاجمون المتصوفة الخاطئين أو المبتدعين أو الجاهلين ولم يزل المتصوفة أنفسهم يبرزون الجوانب الإيجابية في هذا العلم ويحملون على الخطأ في التطبيق ولنضرب على ذلك مثالين مثالاً عن العلماء ومثالاً عن الصوفية:

1-               في مقدمة كتاب / كفاية الأخيار / في فقه الشافعية يقول مؤلفه: "أعلم أن طلاب العلم مختلفون باختلاف مقاصدهم، وهممهم مختلفة باختلاف مراتبهم فهذا يتطلب الغوص في البحر ونحوه لنيل الدرر الكبار وهذا يقنع بما يجد في غاية الإختصار، ثم هذا القانع صنفان أحدهما ذو عيال قد غلبه همُّ الرزق والآخر يتوجه إلى الله تعالى بصدق وجد فلا الأول يقدر على ملازمة الخلق والسالك مشغول بما هو بصدده ليله ونهاره مع نفسه في قلق فأردت..." لاحظ قوله: والسالك مشغول بما هو بصدده ليله ونهاره مع نفسه في قلق، فهنا كلام عن سالكين متوجهين إلى الله عز وجل وفي مقام آخر من كتابه يحمل على الصوفية. من هذا كله ندرك أدب العلماء فالسلوك إلى الله مطلوب، وجوانب الخطأ تُقَوَّمُ هي وأهلها في الله ولننتقل إلى المثال الآخر.

2-               في قصيدة المباحث الأصلية لابن البنا السرقسطي وهي قصيدة لها عند الصوفية مقام كبير، يقول في مقام من هذه القصيدة: هذا الطريق من أجل الطرق، فأفهم هديت وأقتده بنطق.

ثم هو نفسه يقول في مقام آخر:

 

     فهذه طريقة قد درست                                   وشجرة أغصانها قد يبست

     كانت إذن موارداً شريفة                                 فاستبدلت مذاهباً سخيفة

     قد أسست على صحيح العقل                            وإنها الآن بمحض الجهل

     يدعى الذي يمشي عليها سالك                          وسالكوها اليوم حزب هالك.

 

ثم يقول بعد أبيات:

 

                                  يا قاصداً علم الطريق السالف

     لا تقتد بهذه الطوائف                                    ما منهم من علم المقصودا

     منه ولا الوارد والمورودا                                 لم يعرفوا حقيقة الطريقة

     فالقوم جهال على الحقيقة                                فاحذرهمو خشية يفتنوكا    

                                  وأترك سبيلاً لم يزل متروكاً.

 

وإذن فما جرينا عليه هو أدب العلماء والصوفية بآن واحد خلال العصور نقول هذا ليعرف الصوفي والعالم بآن واحد أننا لم نأت بدعاً من الأمر بل ما نحن فيه هو الذي يجب أن يصار إليه والعبرة للتحقيق والحكم الفصل للنصوص قال تعالى {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} الصدر مفتوح لكل كلمة حق تقال سواء قالها صوفي أو سلفي بلا حساسية من أحد فلا يليق بطالب علم أن يكون إلا عاشقاً للحق باحثاً عنه إذا عثر عليه اعتنقه أما ما سوى ذلك فشأن أهل الأهواء...

1-               إن للتصوف فيما آل إليه جانبين: جانباً عملياً وجانباً نظرياً والجانب العملي منه ما هو متفق مع السنة ومنه ما يخالفها والجانب النظري فيه منه ما هو من باب الكشوفات والإلهامات ومنه ما كان شرحاً لطريقة التحقق بالعقائد وأخلاق النفس. والمعركة القائمة حول التصوف إنما تدور بسبب بدع الأعمال وبسبب الكشوفات والإلهامات وسنحاول أن نضع الأمور في مواضعها في الكثير من هذه الأمور في هذه الرسالة إن شاء الله تعالى.

2-               إن علينا في أمر التصوف واجبين: الأول: أن ندل الإنسان عل السير الصحيح إلى الله عز وجل ليصل المسلم بذلك إلى أن يكون عنده مناعة ضد الوقوع في أسر جاهل أو جهل وكل ذلك من أجل الوصول إلى تربية صوفية رفيعة وواقعية وهذا الذي حاولنا فعله ولكن هذا كما قلت سيدخلني في صراعات مع جهات متعددة بعضها صوفي وبعضها سلفي وبعضها ذو حساسية خاصة أمام هذه الأمور. سيقول بعض الصوفية إن هذا ما شم رائحة الذوق الصوفي وأنه لم يعرف اصطلاحاتنا وأنه لا يحق له أن يتكلم في شيء لا يعرفه وسيقول بعض أعداء التصوف إن في هذا الكتاب خدمة لحلقات الصوفية القائمة. إذ كثيرون سيقرؤونه ويقتنعون بالسير وتكون الحصيلة أن يذهبوا إلى شيخ من شيوخ الصوفية غير المتحققين بما ذركت والذين يربون على الغلط فيسلكون على يديه وسينسون ما ذكرت أو يفتنون بغيره. وسيتهمنا بعض الناس أننا قطاع طريق ومناعون للخير. ولعله لهذه الأسباب ولأسباب كثيرة مثلها بقيت متردداً آماداً كثيرة في الكلام عن هذه المواضيع فكم مرة وصلت إلى قناعة بضرورتها وكم مرة وصلت إلى قناعة بأن على ألا أفعل وأن أكتفي بسلسلة / الأساس في المنهج / عنها وأخيراً شرح الله الصدر للكلام ولله الحمد ولم يعد في العمر فسحة حتى أحسب للخلق حساباً ولم يعد في النفس مكان لأن يثنيني مدح المادحين أو قدح القادحين عن أن أقول لهذه الأمة الحبيبة إليّ: أمتي الإسلامية كل ما ينبغي أن يقال لها. وبالإجمال أقول لأصناف الناس الذين ذكرتهم.

                                                              i.      لقد تتلمذت في باب التصوف على من أظنهم أكبر علماء التصوف في عصرنا وأكثر الناس تحققاً به وأذن لي بعض شيوخ الصوفية بالتربية وتسليك المريدين واشترطت عليه أن لا أقيد نفسي بطريقة وألا أتقيد في هذا الشأن إلا بالكتاب والسنة. أقول هذا ليعرف الصوفية أنني أتكلم بفضل الله عن علم وذوق وليعرف غيرهم أنه لا يستهويني إلا الكتاب والسنة.

                                                            ii.      إن الله عز وجل يقول: {وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} فنحن مهمتنا التبصير والله عز وجل يقول {من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه}.

                                                          iii.      إنني حريص على أن يوجد نوع من التصوف السلفي له شيوخه وحلقاته: حلقات العلم والذكر وليس أمالي غير هذا الطريق.

                                                          iv.      لست حريصاً على أن ينفض الناس عن شيوخهم ولست حريصاً على أن ينقطع خير بل على العكس من ذلك أتمنى أن تزداد الصلات الطيبة بين الناس وأن تكثر حلقات الخير والعاملون لها ولكن على أن يكون ذلك كله مستقيماً على أصول الشريعة وفروعها وألا يكون على حساب واجبات أخرى.

                                                            v.      لقد ظهر من خلال التجربة للحركة الإسلامية المعاصرة أن الشيء إذا لم تكن أبعاده واضحة لا يؤتي ثماره والحركة الإسلامية المعاصرة اعتمدت التربية الصوفية فكراً وسلوكاً بشكل مجمل فقد ذكر الأستاذ البنا في رسالة التعاليم كيف أن مرحلة من المراحل طابعها صوفي من جانب وفي جانب آخر وذكر في رسالة المؤتمر الخامس أن من خصائص دعوتنا أنها حقيقة صوفية وترك في مذكراته لمريد التربية الخاصة الحرية في أن يسلك طريق ذلك وذلك في معرض الكلام عن موقفه من التصوف ولكن الذي حدث أن تفصيلاً سلفياً في السير إلى الله لم يتم فكان من آثار ذلك أن كثيرين من أبناء الحركة الإسلامية كانوا يستشعرون فراغاً وخواء روحياً فأدى ذلك ببعضهم إلى السلوك على يد شيخ أو شيوخ لم يعرفوا حقيقة الدعوة الإسلامية المعاصرة وضرورتها فحرفوهم أن صرفوهم عن واجبات هي في الذروة من فرائض الله في هذا العصر.

                                                          vi.      وأخيراً فإن عصرنا عصر الشهوة وعصر النزوة وعصر المادية ولا بد أن نقابل هذه الأشياء فيه بما يكافئها ويقابلها وبجزم أقول: إن التربية الصوفية وحدها هي التي تقابل ذلك: فالشهوة لا يحل مشكلتها المقال وحده بل لا بد من الحال ولا بد من البيئة والتربية، والمادية لا يكافئها الكلمة وحدها بل لا بد من الشعور والذوق والاحساسات الإيمانية مع المقال، والتمرد لا يعالج بالكلمة وحدها بل يعالج بالإخبات لله والتقوى والورع والأدب وهذه طريقها العملي هو التصوف، فإذا اتضح هذا كله لم يبق إلا أن يناقش مناقش ولماذا اسم التصوف والجواب كما قلت من قبل ولماذا اسم النحو ولماذا اسم البديع ولماذا اسم الصرف؟ إنه مجرد اصطلاح على علم نشأ كما نشأت بقية الاصطلاحات وتأكد خلال العصور، ومن الابتداء أحب أن أسجل (ولو كررت) أكثر من أمر حول هذه الرسالة.

1-               إنني أريد في هذه الرسالة أن أضع قدم المسلم في طريق السير إلى الله ليذوق حقيقة الإيمان وبنفس الوقت أريد أن يتعرف المسلم على معنى الحقيقة الصوفية التي هي إحدى سمات دعوة الأستاذ البنا رحمه الله ولم أرد أن استوعب موضوع التصوف من بدايته إلى نهايته فذلك بحث هو أليق بالدراسات العليا وبأهل الإختصاص، وأنا أكتب لكل إنسان.

2-               كما أنني أريد من هذه الرسالة ورسالة / جولات في الفقهين / أن أضع قدم المسلم على الطريق للدراسات الصوفية بحيث يقرأ كتب التصوف وبيده ميزان أو مصباح على ضوئه يسير، وبه يزين ما يقرأ، ومن ثم فأنا لا أعتبر هذا الكتاب إلا سلماً للقراءة في كتب التصوف وخاصة كتب / المحاسبي والغزالي رحمهما الله وخاصة الرسالة القشيرية للعالم الفارس المجاهد أبي القاسم القشيري ولا أنس أن أذكر برسالة المسترشدين للمحاسبي وتعليقات الشيخ عبد الفتاح أبي غدة حفظه الله عليها.

3-               ليست هذه الرسالة كما سنرى بديلاً عن الصحبة والاجتماع ولا تغني عن توجهات الشيوخ العالمين العاملين الواعين البصيرين بأحوال العالم وأحوال المسلمين والقادرين على نقل الإنسان من حالة دنيا إلى حالة عليا في الصلاح ولكنها تدل على النوعية التي ينبغي أن يبحث عنها الإنسان ليأخذ عنها وتدله على طبيعة الأخذ وتحذره من جوانب الخطأ وهي في الوقت نفسه كافية كنقاط علاّم على الطريق إلى الله إذا فقد الإنسان أمثال هؤلاء أو هي زاد الطريق ريثما يعثر الإنسان على أحد منهم يستريح للأخذ عنه عقل العالم ويستروح له قلب الفقيه ثم إذا أخذ منه على بصيرة على أنه إذا التزم الإنسان بما فيها فإنني مطمئن إلى أنها تغنيه وتكفيه في سيره إلى الله بما فيه نجاته عند الله إن شاء الله ثم أنني أجيز كل مسلم أحس منه نفسه فهماً صحيحاً لها وطبقها وظهرت عليه آثار التطبيق أن يقرئها وأن يربي عليها وخاصة طلاب العلم من خريجي كلية شريعة أو أزهر أو متخرجين على شيوخ.

4-               إنني لم أبق في هذه الرسالة على فراغ ولم أنشئ علماً من عند نفسي بل أخذت الكثير مما تيسر لي أن أقرأه من كتب الصوفية ما أن لي تجربتي، ونحن في عصر يمر على هذه الأمة يختلط فيه الخير بدخن، قال حذيفة سائلاً رسول الله صلى الله عليه وسلم فهل بعد هذا الشر من خير؟ قال نعم وفيه دخن[1] أذكر هذا لأنه قد يقول قائل إن كاتب هذه الرسالة قد نقل النقل الفلاني عن الكتاب الفلاني الذي فيه كيت وكيت مما قد أعتبره أنا في نفسي من الدخن الكثير، بفعل ذلك ليسفه الرسالة وصاحبها ويهدم قيمة هذا الجزء الذي نقلته وإني لأرجو أن لا يقع المنصف في مثل هذا لأن الخير قد يختلط بالدخن فقد نجد كتاباً فيه الدخن الكثير ولكن فيه الخير الكثير أيضاً فإذا كان الأمر كذلك فلا يصح أن يحول بيننا وبين أخذ الخير وجود هذا الدخن كما لا يصح لإنسان أن يلزمني بكل كلمة قالها مؤلف في كتاب على أن كلمته تمثل رأيي بمجرد أنني نقلت عبارة أو سريت على مسرى صاحب هذا الكتاب.

5-               إنني أفهم حركة الأستاذ البنا ودعوته على أنها حركة حاولت أن تجمع فيها كل الخير الموروث محررة إياه من دخنه وكل الخير اللازم لهذه الأمة على أن يكون بلا دخن بل إنني أفهم أن هذا هو الواجب الأول للحركة الإسلامية المعاصرة. لقد انطلق العمل السياسي في الأرض الإسلامية بلا ضوابط ولا قيود وأراده الأستاذ البنا بناءاً منضبطاً بالإسلام خالياً من الدخن منطلقاً على أساس صحيح. وانطلقت الحركة السلفية في أكثر الأقطار بمفاهيم غامضة وأحياناً خاطئة وبطرق يختلط فيها الهدم بالبناء فأرادها الأستاذ البنا سلفية منضبطة واضحة المعالم تعرف ما ينبغي تهديمه وما ينبغي بناءه وورثت الأمة الإسلامية إرثاً ضخماً من كتب التصوف ودوائره المتمثلة بمئات الطرق الصوفية وفي خضم الإرث تجد خيراً كثيراً ودخناً كثيراً فأرادها حقيقة صوفية... وقل مثل ذلك في كل شيء ولم يكن حسن البنا رحمه الله مخطئاً عندما جعل من سمات دعوته أنها حقيقه صوفية لأمور:

أ-                  لأن التصوف نزعة أصيلة في النفس البشرية فلا بد أن تكون جزءاً من دعوتنا ولا بد أن تكون لنا مدرستنا الخاصة فيها.

ب-               لأنه ليس أمامنا خيار في الرفض المطلق للإرث الصوفي ولا في القبول المطلق فكان لا بد من وجود ميزان للأخذ وميزان للرفض.

ت-               إنه بدون الاستفادة من التجربة الصوفية قد لا نستطيع أن نعالج الكثير من أمراض النفس البشرية التي عقدتها مسيرة الحياة وطبيعة العصر فكما أن الكثير من المسائل اليومية احتجنا للإجابة عليها لرأي الفقيه فإن الكثير من المسائل العقلية والروحية والنفسية نحتاج فيها لتجربة المجرب وفيما كتبناه في رسالة جولات وفي هذه الرسالة ما يكفي للإقناع بأن الأستاذ البنا كان على غاية الصواب إذ جعل من سمات دعوته الرئيسية أنها حقيقة صوفية.

6-               لقد جعل الأستاذ البنا رتبة النائب واحدة من رتب العضوية داخل الجماعة الإسلامية وإنني إذ أعتبر أن نقطة البداية في صحة أمتنا هو المجدد كما أوضحت ذلك في رسالة من أجل خطوة إلى الأمام... / من سلسلة في البناء / فإنني أعتبر أن وجود طبقة من الوراث الكاملين يغطون احتياجات الدعوة بما يسع الأمة أعتبر ذلك هو الخطوة اللاحقة التي لا بد منها بعد وجود المجدد وأي فشل في ذلك إنما هو فشل في الصميم وإنني أعتبر أن رتبة النائب في الجماعة هي التي تقابل كلمة الوارث الكامل لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهي التي تقابل رتبة الشيخ المربي في اصطلاح الصوفية وإنني أحلم من خلال هذه الرسالة أن أساعد على وجود النائب في الحركة الإسلامية بحق فلا تبقى هذه الرتبة بلا مضمون صحيح.... إن الصوفية عندهم اصطلاح المرشد الكامل ولقد كان الأستاذ البنا مرشداً كاملاً بشهادة كبار الصوفية أنفسهم وكان كذلك مجدداً والأخوة النواب هم خلفاؤه الحقيقيون وهي قضية يجب أن تأخذ مضمونها الكامل في الدعوة. ولا يصح أن نربط بين هذه الرتبة وبين زي بعينه فحتى الصوفية تجاوزوا هذا المعنى فكم من مرشد عندهم لا يقيد نفسه بزي العلماء أو هيئة تخالف ما ألفه الناس هذا مع حرصنا على الزي الإسلامي والهيئة النبوية، إن هذا كله يجعل هذه الرسالة جزءاً من البناء الإسلامي.

لقد جربت كثيراً ورأيت كثيراً ونادراً ما وجدت كمالاً في النفس أو إحساناً في السلوك أو قدرة على التعامل العاقل إلا إذا وجدت تربية إسلامية صوفية صافية وذلك لأن مفاتيح النفس البشرية إنما هي في هذه التربية وأصولها وقواعدها لأن الصوفية هم الذين ورثوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تربية النفس وتزكيتها وتخصصوا لذلك وتفرغوا له وفطنوا لما لم يفطن له غيرهم وقامت لهم فيه أسواق من التجارب الثرة في كل عصر فما لم يأخذ الإنسان عنهم تبقى نفسه بعيدة عن الحال النبوية، إن الصوفية هم الذين ملكوا العلم الذي تتهذب به النفوس البشرية، إنْ في علاقتها مع الله عز وجل أو فيما سوى ذلك من القدرة على التعامل مع الناس... ولقد درجت الحركات الماسونية على أن تسمي الإنسان الذي لم ينتسب إلى المحافل الماسونية حجراً غشيماً لأنه ليس منحوتاً بحيث يمكن أن يأخذ محله المناسب في بناء المجتمع والذي نقوله: إن الماسونية يمكن أن تنحت الحجارة ولكن تبقى الحجارة حجارة في قسوتها {ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة} لكن التصوف والبيئات الصوفية هي القادرة على إيجاد الإنسان في كمالاته كلها الإنسان الذي يقوم بفرائض العبودية لله والإنسان الذي يقدم أعظم العطاء في باب التعامل مع الآخرين فيقوم بذلك مجتمع كله أدب وكله تراحم وكله عطف وكله مودة وكله إيثار وكله لطف... ولكن خلط بعض الصوفية الخير بكثير من الدخن فأثر على الهيكل العام للبناء ومهمتنا في هذا العصر أن نوجد التربية الصوفية الكاملة الصافية وذلك بزرع بيئات صوفية صافية على أن يأخذ التصوف محله في مجموع الإسلام فلا يكون ملاذاً لكسل أو هرباً عن جهاد....

وهناك ناس يطرحون دائماً سؤالاً وفي كل حال إذا أعيتهم الحجج وهو: أليس في الكتاب والسنة ما يغني عن هذا الكتاب والجواب: نعم ولكن هذا الكتاب يجمع المثل إلى المثل ثم إنه ليس كل إنسان بقادر على أن يقرأ الكثير ويستوعب الجميع ويربط بين المواضيع ولا بد للإنسان من أساس موضح ونقطة انطلاق سريعة المتناول ومن ثم كان هذا الكتاب فإذا كان الكتاب مقيداً بالكتاب والسنة ومحرراً على ضوء ذلك فالانكار عليه خطأ لأن المنكر عليه ينبغي أن ينكر على أي كتاب ألف إذْ أليس في الكتاب والسنة ما يغني ويكفي... وهذا الذي ذكرته في الجواب ههنا هو في الحقيقة السر في نشأة هذا العلم ونشأة كل علم لقد وجد علم التصوف واستقر... وكما قررنا في رسالة جولات لم يكن ممكناً ألا يوجد وأن لا يستقر فعندما تقرأ الكتاب والسنة تجد كلاماً كثيراً عن القلب والإيمان والذوق وأمراض القلوب ودواء هذه الأمراض وتجد كلاماً عن صمم القلب وعماه وعن سلامته وسقمه وعن تقواه وفسوقه، وعن النفس البشرية عن زكاتها وعن فجورها وأمثال هذه المعاني فشيء عادي أن يسجل علماء المسلمين كل ما له علاقة بهذه المعاني وهذه القضايا ضمن سجل خاص وأن ينشأ نتيجة لذلك علم خاص في كل ما له علاقة في حيثيات هذه المعاني، وكان هذا العلم هو علم التصوف والسلوك فليس المستغرب إذن أن يوجد هذا العلم بل المستغرب ألا يوجد إذ دأب علماء المسلمين أن يكتبوا في كل موضوع على حدة فيضموا الشيء إلى نطيره ومثيله ويشرحوا ويفصلوا ويجيبوا على أي سؤال له علاقة في هذا الموضوع ومن ثم وجد العلم وتطور وحدث له ما يحدث لكل علم من التصدي له ممن ليس من أهله والتأليف فيه ممن يتقنه أو لا يتقنه ومن منحرف فيه ومستقيم، إنه ليس غريباً أن يوجد العلم الذي يسجل فيه المسلمون خلال تاريخهم ملاحظاتهم وتجاربهم الخاصة في موضوع السير من الغفلة عن الله إلى اليقظة ومن الشرود إلى الالتزام ومن مرض النفس والقلب إلى صحتها ولكن المستغرب ألا يوجد، فإذا وجد العلم ووجد المختصون فيه ووجد الآخذون له فقد قام سوقه كيف وهو علم يحتاجه كل مسلم، وإذا كان كذلك فشيء عادي أن تقوم له مدارس وأن يكثر فيه الأخذ والرد وأن توجد أشياء كثيرة ترافق هذا العلم وتعتبر من مكملاته أو لوازمه وشيء عادي أما الطريق الأقصر للراغب أن يتعلم أو يتعرف أو يعمل، أن يقرأ هذا العلم في كتبه وأن يأخذه من معدنه، وفي هذا المقام يقال ما يقال في غيره من العلوم: الكتاب والسنة فيهما بيان كل شيء ومن ذلك ما له علاقة في هذا العلم ولكن..

هل كل إنسان أحاط في الكتاب والسنة وعنده قدرة أن يجمع النظير إلى النظير وأن يعرف تفصيل المجمل وأن يضع الأمور في مواضعها وهل الناس متساوون في الفهم وفي بعد النظر وفي عمق الإدراك، إن الذين ينفرون المسلم العادي عن أخذ العلوم عن كتبها وأهلها يطوّöلون عليه الطريق بل يمنعونه من الوصول فكما لا يقال للمسلم تتبع موضوع الناسخ والمنسوخ من كتب التفسير إن أردته وكما لا يقال للمسلم تتبع أسباب النزول من مطولات كتب التفسير مع وجودها فيها بل يقال له أقرأ كتاب الناسخ والمنسوخ لفلان وأسباب النزول لفلان فهكذا هنا وفي كل علم فذلك الطريق الأقصر لتحصيل العلم والتعرف عليه. فإذا كان لا بد من وجود علم فلا بد كذلك من تحريره وتنقيحه فكيف إذا حدث لهذا العلم ما حدث لعلم التصوف من كونه سار في واد التصوف العملي سار في واد آخر. ونقصد بعلم التصوف ههنا التصوف العلمي المحرر على ضوء الكتاب والسنة والمرضي من قبل العلماء الراسخين في العلم فإذا اتضح هذا كله فإن عذرنا في كتابة هذه الرسالة أصلاً وفي تسميتها هذه التسمية أصبح قائماً... وإنما أطلنا في الاعتذار لكتابة هذه الرسالة وأطلنا في تبيان الضرورات التي ألجأتنا لكتابتها لأن كثيرين من إخواننا الذين نحبهم ويحبوننا يتمنون لنا ولأنفسهم أن نبقى في معزل عن المعارك العلمية الدائرة رحاها بين المسلمين اليوم لنكون أداة جمع للجميع على الخير ونشكل قاسماً مشتركاً بين الجميع لصالح معركة الإسلام وأنا أحرص على ما يحرصون ولكن عملية البناء لأنفسنا لا تعفينا عن أن نطرق هذه المواضيع وعملية البناء تأتي دائماً في الدرجة الأولى...

ولقد أهملت في هذا الكتاب بحث كثير من الأمور التي لا أعتبر أن بحثها يخدم شيئاً من الناحية النظرية أو العملية إلا خدمات استثنائية لا تذكر لاعتقادي أن مثل هذه الأمور يجدها الإنسان في أي كتاب ولا يترتب على قراءتها في هذه الكتب ما يمكن أن يسبب ضرراً أصلاً ولذلك أعفيت نفسي من الإشارة إلى كثير من المباحث حرصاً مني على أن تبقى هذه الرسالة مختصرة جداً لا يمل منها قارئها ولا يضيع قارئها في ثنايا الحيثيات عن الجوهر الأصيل وأنا من طبيعتي أنني لا أحب أن أكتب في أمر إلا حيث أجد ضرورة لذلك وبالقدر الذي تحتاجه هذه الضرورة وههنا الأمر كذلك فإذا رأى راءٍ أنني لم أسر في هذا التأليف على الطريق المعتادة عند المؤلفين من كونهم يهتمون بذكر الاسم وسبب التسمية وغير ذلك مما يعتبرونه أركاناً في التأليف في أي علم فذلك لاعتقادي أن هذا متوافر في أي كتاب آخر والذي أحرص عليه هو أبعد من أن تكون هذه الرسالة إضافة لكتاب في علم على ما لذلك من مبررات ولكن أعتبر ذلك مهمة المختصين ولا أعتبر نفسي واحداً من هؤلاء في أي اختصاص وإنما أنا مساعد في عملية البناء فما تقتضيه هذه العملية أعتبر من واجبي أن أبذل فيه جهداً بقدر استطاعتي أقول هذا معتذراً عن القصور الذي يمكن أن يؤاخذني فيه قارئ هذه الرسالة إذا لم يجد فيها بعض ما يجب أن يكون على أنني أظن أنني لم أفرط في جوهر ينبغي أن يعرف ولا يصعب على القارئ أن يمد يده إلى مثل الرسالة القشيرية – لأبي القاسم القشيري أو لكتاب قواعد التصوف للشيخ أحمد الرزوق ليجد جواباً على أي موضوع أهملته أو أهملت التوسع فيه وكم أتمنى له طبع هذان الكتابان مع التعليق المختصر عليهما من فقيه صوفي... وأخيراً أقول: إن الكتابة في موضوع السير إلى الله ضرورة تقتضيها ضرورات متعددة فهذا الإنسان له ما يسمى بالنفس وما يسمى بالعقل وما يسمى بالقلب وما يسمى بالروح وكل واحد من هذه المعاني عوالم عجيبة غريبة لا تنكشف للإنسان إلا من خلال السير إلى الله عز وجل ومن ثم كان السير إلى الله عز وجل ضرورياً للإنسان ليعرف الإنسان ذاته وما انطوى عليه ومن ثم كان الإنسان الذي لا يسير إلى الله لا يعلم شيئاً كثيراً عن آفاق النفس وآفاق الذات وهذا سبب أول يدفع الإنسان نحو السير إلى الله عز وجل. والسير إلى الله عز وجل هو الطريق الوحيد للمعرفة الصحيحة الذوقية الشعورية لله عز وجل فإن الإنسان يجهل الكثير عن خالقه عز وجل ما لم يسر إلى الله عز وجل حتى لو كان مؤمناً ففارق كبير بين الإيمان العقلي النظري وبين الإيمان الشعوري الذوقي وهذا سبب ثان يدفع الإنسان إلى السير إلى الله عز وجل والنفس البشرية تمرض ولا تصح إلا بسلوكها الطريق الصحيح إلى الله عز وجل، والنفس البشرية مطالبة بعظيم من الأخلاق ولا تنال الفلاح بدونه وهذا لا تتحقق به بدون السير إلى الله عز وجل وهذا سبب آخر يدفع إلى السير إلى الله عز وجل.. ومن ثم كان السير إلى الله عز وجل واجباً على درجات تختلف باختلاف الاستعدادات فلا بد من سير وعلى قدر الهمم تكون درجات السائرين قال تعالى: {قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها} [الشمس]. وقال {لن ينال الله لحومُها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم} [الحج]. وقال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح "لوكان الإيمان في الثريا لناله رجال من أبناء فارس" (رواه البخاري)... والسير إلى الله عز وجل يقتضيه التنفيذ الواعي الحكيم لأوامر الله عز وجل فالذي لا يعرف أصول السير إلى الله والغاية منها يفوته الكثير من تنفيذ الأوامر الإلهية كقوله تعالى {اقرأ باسم ربك الذي خلق} وكقوله تعالى {واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلاً} كما يقتضيه تذوق المعاني الإسلامية الواردة في الكتاب والسنة كقوله تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه} وكقوله عليه الصلاة والسلام "اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك"[2] فالسير إلى الله ضروري والكتابة فيه ضرورية ودفع الأوهام فيه ضروري وإنهاء الغلوّ في شأنه ضروري... وكل ذلك دافع إلى كتابة هذه الرسالة على أنه كما قلنا من قبل: "إننا نعتقد أن كل مسلم سائر إلى الله ما دام يفعل ما أمره الله عز وجل وله حظ من مقامات السير بذلك ولكن البحث عن الكمال والوصول إليه وإتيان البيوت من أبوابها ومعرفة المصادر والموارد والبدايات والنهايات والحدود والقيود  للمقامات كلها دنياها وعلياها هذا الذي يطلق عليه اسم السير الكامل. ومن هنا ندرك غلط الذي لا يتصور أي سير إلى الله عز وجل إلا من خلال التصوف ورداً على غلاة الصوفية الذين لا يتصورون سيراً إلى الله بدون سير على أيدي أهل الطريق إذ الصحابة رضوان الله عليهم ومن بعدهم إلى أن تقعدت قواعد علم التصوف ما كان لهم همّñ إلا في دراسة الكتاب والسنة وتطبيق ذلك. فإذا لم يكن هذا سيراً فما هو السير ومن هذه النقاط البسيطة يستطيع المسلم أن يدرك بعض ملامح هذه الرسالة فلنكتف في هذه المقدمة بذلك. ولشعورنا أن مجموعة من الأمور تحتاج إلى تصحيح قبل البدء بعرض موضوعات هذه الرسالة الخاصة بالتصوف جعلنا الباب الأول فيها / مدخل إسلامي عام / فإلى الباب الأول.



[1]  رواه البخاري ومسلم.

[2]  رواه أبو نعيم في الحلية وهو حديث حسن ومعناه في الصحيح.

|السابق| [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

تربيتنا الروحية 

فصول في الأمرة والأمير 

هذه تجربتي وهذه شهادتي 

الإجابات 

إحياء الربانية 

الرسول صلى الله عليه وسلم 

غذاء العبودية 

قوانين البيت المسلم 

موسوعة الكتب الحركية Book Select Book Select Book Select


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca