الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: تربيتنا الروحية
المؤلف: سعيد حوى
التصنيف: أسرة
 

محتويات الكتاب

الباب التاسع - في سلم الأمراض وسلم الصحة

الباب التاسع

في سلم الأمراض وسلم الصحة

 

يولد الإنسان على الفطرة كما ورد في الحديث الذي رواه الشيخان "ما من مولود إلا يولد على الفطرة – فطرة الله التي فطر الناس عليها – فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه". وكما ورد في الحديث الذي رواه أحمد "كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه فإذا عبر عنه لسانه إما شاكراً وإما كفوراً". هذه الفطرة يكون فيها القلب على حاله الأكمل والروح على حالتها المثلى، فالقلب خال من الأمراض مشتغل بنور التوحيد، والروح عارفة بالله مقرة له بالعبودية ثم يحدث ما يحدث بعد ذلك من غفلة أو انحراف. تبدأ هذه الغفلة برؤية عالم الأسباب والتعلق بها من لحظة أن يلتقم الطفل ثدي أمه، ثم بعد ذلك يبدأ يرضع من البيئة أخلاقها وآدابها وعقائدها وغير ذلك مما يترتب عليه ما يترتب من انحراف أو غفلة أو نسيان... وجاء الإسلام لإرجاع الإنسان إلى هذه الفطرة. قال تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون. منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين. من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون} [الروم: 20-21-22]. من هذه الآيات نعلم: أن الفطرة هي إقامة الإنسان وجهه لدين الله دون التفات عن ذلك إلى  غيره، وأنها الإنابة إلى الله والتقوى وإقام الصلاة ونفي الشرك وبقدر اجتماع هذه المعاني في إنسان يكون على الفطرة، وبقدر ما يفرط في واحدة منها يكون مفرطاً في قضية الفطرة. وإقامة الوجه لدين الله ونفي الشرك، يدخل تحتهما معان كثيرة والتقوى يدخل تحتها معان كثيرة جداً فصلناها في كتاب / جند الله ثقافة وأخلاقاً / وإقامة الصلاة حق القيام مرتبطة بأمور كثيرة لها صلة بقضايا القلب وخشوعه وغير ذلك من أعمال جسد وتوجه قلب. ومن أدرك هذه المعاني كلها أدرك حقيقة الفطرة بصرف النظر عن الفلسفات والتعقيدات والتفصيلات فنحن ههنا نكتب لمسلمين مؤمنين فقط فإذا اتضح هذا فلنر المسألة في جانبها الأكثر تبسيطاً...

إذا استنار القلب بنور التوحيد الخالص فرأى الأشياء كلها فعلَ الله استقبل كل المصائب بالصبر والتسليم والرضى وإذا استنار القلب بنور التوحيد نما عنده التوكل على الله والإخلاص لله والخشوع والإخبات. وإذا استنار القلب بنور التوحيد فرأى النعم كلها صادرة عن الله نمت عنده محبة الله والرغبة بشكر الله. وكل ذلك أثر عن التوحيد الخالص الذي هو أثر عن معرفة الله وصفاته وأسمائه وأفعاله والشعور بذلك. وإذا استنار القلب بنور معرفة الله وتوحيده توجه القلب كله لدين الله ولم يلتفت عنه يميناً وشمالاً وعندئذ ينتفي الشرك كله كبيرة وصغيرة. ومن مثل هذا القلب تؤدى الصلاة كاملة لله كمظهر أرقى للعبودية لله وتقديم واجب الشكر له وبشكل تلقائي تكون خشية الله في هذا القلب كبيرة فيكون التلقي عن الله كاملاً {الله أنزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله} [الزمر: 23] ومن مثل هذا القلب ينبثق سلوك منسجم مع دين الله وهذه هي التقوى. ومجموع هذه الأمور هي الفطرة الكاملة...

وبقدر الخلل في التوحيد اعتقاداً أو شعوراً يوجد الشرك الأكبر أو الأصغر فإذا وجد الشرك الأكبر انطفأ نور الفطرة كله، وإذا وجد الشرك الأصغر كأن يعمل الإنسان عملاً لغير الله رغبة في جاه أو دنيا أو غير ذلك، إذا وجد هذا خيمت ظلمة نفسية على القلب، وإذا انعدم الصبر وجد الكفر وإذا قل الشكر وجد نوع من الظلمة يقابل ذلك... وبقدر خفوت نور التوحيد تظهر أمراض العُجب والرياء والحسد والكبر والغرور وغير ذلك من الأمراض. إذ لو كان الإنسان يرى أن الله عز وجل هو المعطي ما وجد الحسد ولو عرف الإنسان أن الله عز وجل هو خالق كل شيء ما وجد عجب ورياء، ولو عرف الإنسان مقام العبودية ما وجد عجب وغرور، ولو كان الإنسان عبداً لله حقاً ما وجد الجبروت، ولو كان في القلب خشية من الله ما وجد ظلم لعباده ولا انحراف عن أمره... ومن ههنا ندرك أصل المرض وبدء الصحة فأصل المرض الشرك، وبدء الصحة التوحيد، وإذا أدركنا ذلك عرفنا معنى قوله تعالى: {إنما المشركون نجس}. فالشرك هو النجاسة التي تجعل أصحابها عين النجس لكونها تصبغ أجسادهم، وسلوكهم وأنفسهم وعقولهم وأرواحهم بها فتصبح ذواتهم نجسة نجاسة غير محسوسة ولكنها نجاسة...

مما مر ندرك أن الدرجة الأولى في سُلّم الارتقاء هي التوحيد وأن الدرجة الأولى في سلم الخرابات هي الشرك الأكبر أو الأصغر ثم عن التوحيد تبدأ الصحة، وعن الشرك تتفرع الأمراض القلبية والسلوكية من كبر وعجب وفخر وخيلاء وبخل وغش وبغض وحرص وأمل وحقد وحسد وضجر وجزع وهلع وطمع وجمع ومنع وجبن وجهل وكسل وبذاء وجفاء واتباع الهوى وازدراء واستهزاء وتمنٍ وترفع وحدة وسفه وطيش وغلواء وتحكم وظلم وعداوة ومنازعة ومعاندة ومغالبة ومزاحمة وغيبة وبهتان وكذب ونميمة وتهويس وسوء ظن ومهاجرة ولؤم ووقاحة وغدر وخيانة وفجور وشماتة إلى غير ذلك...

هذه الأمراض النفسية والقلبية وغيرها كثير إذا وجدت في القلب أثرت، على نور التوحيد ومنعت نور الإيمان والتوحيد من التسلل إلى القلب {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم} [الحجرات: 15]. فالإيمان لم يدخل ولكنه على وشك الدخول، إذ هذا الذي يقتضيه استعمال كلمة "لما" في اللغة العربية.

وإذن فإن هناك حالة يوجد فيها عمل ولكن توجد موانع تمنع من وصول الأنوار إلى القلوب ومن مظاهر ذلك حالة الذين حدثنا عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحاديث صحيحة أن إيمانهم لا يجاوز تراقيهم هذا مع أننا نحقر صلاتنا مع صلاتهم وصيامنا مع صيامهم. فهذا كله يدل على أن هناك حالات للقلب إذا وجدت فإن أنوار الإيمان نفسها لا تصل إلى القلب وقد ذكر ابن عطاء الله السكندري بعض عبارات في حكمه توضح هذا المقام فقال: "كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته، أم كيف يرحل إلى الله وهو مكبل بشهواته، أم كيف يطمع أن يدخل حضرة الله ولم يتطهر من جنابة غفلاته، أم كيف يرجو أن يفهم دقائق الأسرار وهو لم يتب من هفواته" وقال "أنوار أذن لها في الوصول، وأنوار أذن لها في الدخول ربما وردت عليك الأنوار فوجدت القلب محشواً بصور الآثار فارتحلت من حيث نزلت، فرغ قلبك من الأغيار يملأه بالمعارف والأسرار"... هذه المعاني كلها تصل بها إلى قضية مجاهدة النفس والتخلص من أمراضها كجزء من السير إلى الله.

إن هناك مطلباً للنفس وهناك مرض للنفس، وهناك استجابة للنفس ومطالبها واندفاعات سلوكية هي أثر عن أمراضها. والمسلم في هذه الدوائر كلها مكلف، فهو مكلف بأن يعطي النفس مطالبها العادلة وأن يجاهد مطالبها الظالمة الآثمة، وهو مكلف في إزالة المرض بالسير في طريق الشفاء، ومكلف بنفس الوقت ألا يستجيب لأوامر المرض والأمر صعب دقيق والمستعان هو الله جل جلاله، وإذا أردنا أن ندرك بعض هذه الأمور عن طريق قريب يكفي أن  نتأمل بعض الاستعاذات التي علمنا إياها الله جل جلاله أو رسوله عليه الصلاة والسلام. فقد علمنا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم أن نستعيذ بالله من أمور كثيرة ومن تأمل لبعض نماذج هذه الاستعاذات ندرك كثيراً من جوانب ما ذكرناه، وهذه نماذج:

أ-                  {قل أعوذ برب الفلق. من شر ما خلق. ومن شر غاسق إذا وقب. ومن شر النفاثات في العقد. ومن شر حاسد إذا حسد} [الفلق] ألا ترى في الاستعاذة بالله من شر حاسد إذا حسد أن للحسد في القلب آثاره الشريرة في السلوك وعلى المحسود؟...

ب-               أخرج الترمذي وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه أن أبا بكر قال: يا رسول الله مرني بكلمات أقولهن إذا أمسيت وإذا أصبحت: قال: "قل اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة رب كل شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه". قال: "قلها إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعك". ألا ترى في قوله عليه الصلاة والسلام "أعوذ بك من شر نفسي" أن النفس لها مطالبها الشريرة وحاشاه صلى الله عليه وسلم أن يكون لنفسه مطلب إلا في الله ولكنه التعليم.

ت-               أخرج الشيخان عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والجبن والهرم والبخل، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات" ألا ترى في استعاذته عليه الصلاة والسلام بالله من العجز والكسل والجبن والبخل إشارة إلى أمراض منها الجسدي النفسي ومنها النفسي الخالص الذي له آثاره السيئة في الحياة.

ث-               أخرج أبو داوود عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "اللهم إني أعوذ بك من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق". ألا ترى في هذا الحديث إشارة إلى مجموع أمراض قلبية ونفسية.

ج-               أخرج أصحاب السنن عن شَكَل بن حُميد قلت يا رسول الله: علمني تعوذاً أتعوذ به. فأخذ بكفي وقال: قل: اللهم إني أعوذ بك من شر سمعي ومن شر بصري ومن شر لساني ومن شر قلبي ومن شر منيي ألا ترى ههنا أن للمنيّ شراً... رواه أبو داوود والترمذي وقال حديث حسن.

هذا طريق قريب أخذنا منه قضية الأمراض النفسية والقلبية. ولكن الأمر أوسع من ذلك. ونحن هنا خطتنا الإجمال، فإذا كان الأمر كذلك فإنه مع الأذكار والأوراد والعلم لا بد من عملية بحث عن طرق الشفاء من أمراض القلب والنفس لتتم لنا عملية السير إلى الله، إن كل مرض للقلب ينبثق منه إذا أطاعه الإنسان سلوك، فالحسد تنبثق عنه محاولات الإساءة إلى المحسود، والحقد تنبثق عنه عمليات الانتقام، والبخل ينبثق عنه المنع وهكذا قل في كل مرض قلبي أو نفسي... وما آفات اللسان وأنواع كلامه الآثم من سخرية واستهزاء وغيبة ونميمة وغير ذلك إلا أثراً عن الأمراض القلبية والنفسية، وما مواقف الإنسان المحرمة واستجابته لدواعي الشهوات إلا أثراً عن أمراض القلب والنفس وهكذا... وههنا لا بد من شيئين: معرفة بالأمراض ومجاهدة للنفس حتى لا يستجيب لها ومجاهدة للتخلص من هذه الأمراض. فالأذكار والأوراد والأعمال وخاصة في حالات تعقيد القلب والنفس بأنواع من الأمراض ليست كافية وحدها لإزالة هذه الأمراض بل لا بد من علم ولا بد مع العلم من مجاهدة والذكر هو زاد السير ولازمه وبسبب هذا نجد عند الصوفية اصطلاحات المجاهدة والتخلية والتحلية والتزكية. وفي هذا المقام يظهر احتياج الكثيرين للمرشد المربي ذي الفراسة الصادقة البصير بأمراض النفوس وطرق معالجتها...

وبشكل عام إن العلم بأمراض النفوس يساعد على طب النفوس والعلم بمظاهر الصحة يساعد على السير في طريقها، وكنا من قبل ذركنا أن العلم جزء من السير إلى الله فليلاحظ أن جزءاً من هذا العلم ما له علاقة بهذا الموضوع وقد فضل الغزالي في إحيائه في هذه المواضيع بما لم يسبق إليه ولم يلحق فيه وذكرنا من قبل أهمية الذكر والعبادة والأوراد في السير إلى الله فليكن ذلك على ذكر منا. وههنا وضح لدينا أمر وهو ضرورة مجاهدة النفس لمنعها من هواها ولتخليصها من أمراضها ولتحليتها بجوانب صحتها وذلك شيء مكمل لقضية الأوراد في السير إلى الله، وهذا هو الجانب العملي الثاني في رحلتنا إلى الله وفي سيرنا كذلك في هذه الرسالة. فليكن الباب القادم حديثاً عن المجاهدة وأركانها كنقطة انطلاق نحو صحة النفس والقلب. وفي طريق الخلاص من أمراض القلب وفي عملية عودة بالذات نحو الفطرة. ولن يتم ذلك لأحد إلا بتوفيق من الله. قال تعالى: {لولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبداً ولكن الله يزكي من يشاء} [النور: 22]. ولذلك فالمستعان على هذا هو الله وحده ولقد كان من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأيناه: "اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها" رواه مسلم. وإذا كان الشأن كذلك فالمستعان هو الله ولكن الله عز وجل ربط الأمور بمسبباتها، ولقد جعل الله عز وجل من مهمات رسوله صلى الله عليه وسلم تزكية الأنفس، قال تعالى: {كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون. فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون} [البقرة: 51-52]. فنحن مكلفون بالأخذ بالأسباب للوصول إلى نفس مزكاة مع الاستعانة بالله جل جلاله...

نقطة البداية في الصحة إذن كلمة التوحيد وتنور القلب بها، ونقطة البداية في المرض أو الموت كلمة الشرك أو عدم تنور القلب تنوراً كاملاً بكلمة التوحيد. عن الأول تنبثق كل مظاهر الحصة الظاهرة أو الباطنة، وعن الثاني تنبثق كل الأمراض الظاهرة أو الباطنة، ومن ثم فإن المرشدين الكمل لا يكون لهم هم مثل أن ينقلوا قلب المريد إلى التوحيد. فمتى استنار القلب بنور التوحيد وانسجم سلوك الإنسان مع ذلك من خلال علم شامل وذكر دائم والتزام صحيح فإن كمالاً لا مثيل له يوجد في النفس فيحدث تغييراً هائلاً فيها. ويترتب عليه في أنفس الانسانية أو في أنفس شعب من شعوبها إذا تفاعلت هذه الأنفس مع كلمة التوحيد ما لا يخطر بالبال من كمالات ويظهر من ثمرات ذلك ما يحير العقول ويدهشها. هؤلاء العرب قبل الاسلام لم تكن لهم ثقافة عريقة ولم تكن لديهم عادات حضارية متأصلة ولم تكن لهم تجربة في الحكم والإدارة ولم تكن لهم قدرة على ضبط الانفعالات، وما شئت أن تتحدث عن قصورهم في كثير من الأمور فإنك تستطيع أن تتحدث. هذا عدا عن جهل بالله عز وجل وعدم وجود نظرة كلية عندهم في شؤون الحياة، عندما قبلوا كلمة التوحيد حق القبول وتحققوا بها حق التحقق كما شهد الله بذلك لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين كانوا معه يوم الحديبية "وألزمهم كلمة التقوى – أي كلمة التوحيد – وكانوا أحق بها وأهلها". فكانوا أهل كلمة التوحيد وانسجم سلوكهم مع كتاب التوحيد "القرآن" بما يتفق مع هذه الكلمة فماذا كان؟ كل شيء اختصر لهم اختصاراً، وإذا بهذا الشعب الجاهل أصبح شعباً معلماً وأصبح قدوة في الخير وملك من الإمكانيات ما استطاع به أن ينهي دولاً عظمى وأن يوجد نظاماً جديداً في العالم وأخذت شعوب العالم نفسها دين هذا الشعب ديناً لها.

والآن والمسلمون في أوضاعهم الحاضرة كما نرى: إن هناك شعوباً في العالم وصلت إلى ذروة في القوة والمدنية ووجدت عندها عادات وتقاليد في شأن الحكم والسياسة والإدارة. ووجد عندها وعي سياسي عظيم وقدرات إدارية هائلة ودراسات واسعة في كل شيء وإن هذا كله لا يمكن أن يلحق به المسلمون في أوضاع من السير العادي فضلاً عن أن يكون لهم دور السبق، فضلاً عن أن يكون لهم دور العطاء، فضلاً عن أن يكون لهم دور المعلم، إن شيئاً واحداً هو الذي يختصر لهم الطريق:

كلمة التوحيد وانسجام سلوكي معها على ضوء الكتاب والسنة من خلال علم وعمل وتفاعل والتزام. إن هذا وحده هو الذي يختصر الطريق فيوجد بذلك الإنسان السليم الكامل قلباً وعقلاً وجسداً، وعياً وأخلاقاً وسلوكاً، خبرة في النفس وقدرة على تعليمها وتهذيبها وإدراكاً لكل لوازمها وبهذا نجد شعوباً تقفز بسرعة من حال إلى حال، من حال القهر السياسي والعبودية السياسية، من حال التخلف المدني والتخلف السلوكي إلى غير ذلك. فالعمل يقوى والانتاج يتوسع ودوائر التعامل العادي تنمو وقل غير ذلك في كل شيء. ومن هنا ندرك فظاعة جريمة الذين يريدون أن يحولوا بين الحركة الإسلامية وبين أن تؤدي دورها كاملاً في صياغة شعوب الأمة الإسلامية على ضوء كلمة التوحيد وكتاب التوحيد لتوجد أمة نموذجية معلمة قائدة كبديل عن هذه الأمة التي أفسدتها ثقافات فاسدة وحكومات فاسدة مفسدة واستعمار طويل مديد حاول خلال فترة استعمارة الفعلي أو المتشكل بأشكال جديدة أن لا يبقي قيمة إلا دمرها. إن كلمة التوحيد متى استقرت في القلب ونورته تفرع عنها التوكل والإخلاص والصبر والشكر والاحسان والتقوى والعمل بالإسلام من صلاة وزكاة وشورى وانتصار من الظلم وصلة رحم وحسن خلق وحسن جوار وكلمة طيبة في محلها وقدرة على الجهاد وأخلاقيته الرفيعة وغير ذلك من مئات الأخلاق بينما كلمة الشرك يتفرع عنها الرضا عن النفس وما يستتبع ذلك من غفلة وشهوة وخطيئة وما يتفرع عن ذلك من أمراض كالكبر والعجب والحسد وغير ذلك مما مرت معنا صورته. وإن كثيراً من أمراض الشرك قد يغطيها موقف منفعل من إنسان أو ثقافة تجريبية في أمة ولكن ذلك بمثابة تغطية للمرض لا قضاء عليه والآن لنتذكر ما ورد في هذا الباب والذي قبله. وخاصة لنتذكر قضيتين: الأولى: أن هناك أمراضاً في القلب متى وجدت تحول دون وصول الأنوار إلى القلب وهذا يقتضي عملية استكشاف لهذه الأمراض وسير في طريق التخلص منها وحمل النفس على معان أخرى. الثانية: أن علل هذه الأمراض الرئيسية منها ما هو فكري ومنها ما هو نفسي والفكر علاجه العلم والتأمل. ولكن النفس علاجها المجاهدة وهذا يقتضي منا كلاماً عن المجاهدة. وهو في الحقيقة الأثر المباشر الذي ينبغي أن ينبثق عن العلم الصحيح وعن الذكر الدائم. فإذا كنا من قبل قلنا: إن ركني السير إلى الله العلم والذكر. فإن العلم الصحيح لا بد أن ينبثق عنه مجاهدة للنفس مباشرة، والزاد المعين على هذه المجاهدة هو الذكر وإذا لم يتولد عن العلم مجاهدة فإنه لا يكون علماً صحيحاً. يقول ابن عطاء "ولأن تصحب جاهلاً لا يرضى عن نفسه خير من أن تصحب عالماً يرضى عن نفسه. وأي علم لعالم يرضى عن نفسه". وهو معنى صحيح، فالرضى عن النفس يتولد عنه ما رأيناه من قبل من كبر وعجب وغرور وغير ذلك، فحيث ما وجد رضى عن النفس لا يكون علم وحيثما وجد علم صحيح وجد عدم رضىً عن النفس فوجدت مجاهدة، فالمجاهدة هي الانبثاق الأول عن ركني السير إلى الله. الذكر والعلم وبدونها لا يكون سير كامل إلى الله فليكن الباب العاشر فيها.

 

|السابق| [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

تربيتنا الروحية 

فصول في الأمرة والأمير 

هذه تجربتي وهذه شهادتي 

الإجابات 

إحياء الربانية 

الرسول صلى الله عليه وسلم 

غذاء العبودية 

قوانين البيت المسلم 

موسوعة الكتب الحركية Book Select Book Select Book Select


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca