الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: تربيتنا الروحية
المؤلف: سعيد حوى
التصنيف: أسرة
 

محتويات الكتاب

الباب الثالث عشر - في الصحة القلبية والنفسية ومحلّها من دوائر التكليف

الباب الثالث عشر

في الصحة القلبية والنفسية ومحلّها من دوائر التكليف

 

يقول ابن عطاء في قضية الوصول إلى الله عز وجل "وصولك إلى الله وصولك إلى العلم به" هذا هو الوصول أن تعرف الله عز وجل حق المعرفة، معرفة أخذ العقل حظه منها والقلب حظه منها والروح حظها منها دون أن يرافق ذلك تجسيم أو تشبيه أو مماسة أو اتصال أو حلول أو اتحاد معرفة يشهد فيها الانسان قربه من الله عز وجل وقرب الله منه. قال تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان} [البقرة: 187] فإذا عرفت الله عز وجل حق المعرفة معرفة يجتمع لك فيها التسليم العقلي والذوق القلبي فقد وصلت وذلك لا يتم بلا سلوك طريق ذلك. وإذا تم ذلك فلذلك ثمراته الكثيرة إذ كل خير إنما هو انبثاق عن هذه المعرفة {ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون} [ابراهيم: 24]. فثمرات المعرفة الحقيقية لله عز وجل شيء لا يستطاع إحصاؤه ومن أول ذلك التحقق بمقام العبودية لله وذلك أعلى المقامات على الإطلاق. والعبودية كاسمها تقتضي طاعة ظاهرة وباطنة لله في كل شيء... إن الوصول إلى الله يعني معرفته جل جلاله، معرفة أنه موجود ومعرفة صفاته، صفات الجلال والجمال وصفات الوجود من علم وقدرة وإرادة وحياة وسمع وبصر وكلام، وصفات السلب التي تنفي بها عن الله عز وجل ما لا يليق بذاته ومعرفة اسمائه ومعرفة أفعاله وأن يتملى القلب ذلك كله وأن يستشعره ذوقاً وذلك معنى زائد على مجرد المعرفة العقلية ولكن المعرفة العقلية هي المقدمة العادية لذلك، ومما يدخل في المعرفة لله عز وجل معرفة معاني النصوص المتشابهة وحملها على محاملها الصحيحة وتذوق ذلك فالسالكون لهم أذواقهم لهذه النصوص مع التنويه بما لا يتحسس جزءاً منه غيرهم. وفي هذه المقامات ضل كثير وغوى كثير وضاقت عبارات الكثيرين وفهمت عبارات الكثيرين على غير مرادهم. ومن فتح الله له في هذه الشؤون باب الفهم والذوق على مقتضى العلم استطاع أن يفهم الخطأ من الصواب واستطاع أن يميز بين ما يجب رده من هذه العبارات وبين المحامل الصحيحة لهذه العبارات وكثيراً ما يحدث أن نجد إنساناً يحمل على كلمة بأنها كفر مع أن لها محملاً صحيحاً، وكثيراً ما نجد إنساناً يدافع عن كلمة وليس لها وجه وإنما هي البدعة أو الكفر أو الضلال، والقليل القليل من خلق الله هم الذين يضعون الأمور في مواضعها ويصلون إلى حالة تكون معرفتهم بها في الله كاملة حتى إذا تكلموا في ذلك تكلموا عن حق وعلم. قال تعالى: {سبحان الله عما يصفون إلا عباد الله المخلصين} إن تذوق السالكين لمعنى اسم الله الأول ولمعنى اسم الله الظاهر واسمه الباطن ولمعنى اسمه الصمد ولمعنى اسمه القريب ولغير ذلك من أسماء الله عز وجل تذوق أعمق بكثير من أي تذوق عقلي والذين يتكلمون في هذه المعاني يفطنون لأمور لا يفطن لها غيرهم ويعبرون عنها تعبيراً لا يستطيعه غيرهم، وأقصد بذلك المحققين من هؤلاء والمدققين ومن عبارته مقيدة بالعلم والنصوص. أما الذين حرّفوا وبدّلوا فهؤلاء ليسوا هم المقصودين في هذا المقام ولعل من أول ثمرات المعرفة التمكن من التعبير العالي والصافي. وفي ذلك يقول ابن عطاء "تسبق أنوار الحكماء أقوالهم فحيث صار التنوير وصل التعبير. كل كلام يبرز وعليه كسوة القلب الذي منه برز من أذن له في التعبير فهمت في مسامع الخلق عبارته وجليت لهم إشارته. ربما برزت الحقائق مكسوفة الأنوار إذا لم يؤذن لك فيها بالإظهار، عباراتهم إما لفيضان وجد أو لقصد هداية مريد فالأول حال السالكين والثاني حال أرباب المكنة والتحقيق والعبارة قوت لعائلة المستمعين" فأول ثمرات الوصول الكاملة إلى الله القدرة على التعبير الصحيح عن الذات الإلهية والدلالة الصحيحة عليها. وانظر مثل هذه العبارات لترى بوضوح حقيقة هذه الثمرة. قال ابن عطاء "أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون فإذا شهدته كانت الأكوان معك". لا يلزم من ثبوت الخصوصية عدم وصف البشرية، إنما مثل الخصوصية كإشراق شمس النهار ظهرت في الأفق وليست منه، تارة تشرق شموس أوصافه على ليل وجودك وتارة يغيض ذلك عنك فيردك إلى حدودك فالنهار ليس منك إليك ولكنه وارد عليك. دل بوجود آثاره على وجود أسمائه وبوجود أسمائه على ثبوت أوصافه وبوجود أوصافه على وجود ذاته إذ محال أن يقوم الوصف بذاته" إن الوصول إلى الله هو المظهر الأعلى للصحة القلبية والنفسية في الإسلام وهي العلامة الرئيسية على هذه الصحة. ولكن هذا الوصول يتفرع عنه أمور كثيرة هي كلها علامات على صحة القلب والنفس ولذلك فنحن سنعرض قضية علامات الصحة القلبية والنفسية بحيث نفتهم هذه العلامات بشكل أوضح وأعمق فنقول:

شرحنا من قبل كيف أن لكل عبادة حكمتها وأنوارها وأن المسلم عليه أن يعمل كما أمر وأن يحقق الحكمة التي من أجلها كان الأمر. وههنا نحب أن نكمل تسلسل هذا الشأن. إن تنفيذ الأمر وتحقيق الحكمة من الأمر يترتب عليه آثار في القلب وفي النفس. هذه الآثار مهمتها تكميل الذات والارتقاء بالتحقق بالكمالات العليا لها فالحكمة في الأمر في النهاية هي تكميل الذات وتحقيقها بأرقى المقامات. وأرقى المقامات التحقق بأسماء الله عز وجل مع العبودية الكاملة له فالله عز وجل متصف بالصفات العليا وله الأسماء الحسنى مع الربوبية. ونحن كما لنا أن نأخذ من كل اسم من أسماء الله تعالى التي كلفنا بالتحقق بها ولكن مع العبودية. وحجة الإسلام الغزالي حاول في كتابه / المقصد الاسنى في شرح أسماء الله الحسنى / أن يبين ما يمكن أن يأخذه العبد من كل اسم من هذه الأسماء. فاسم الله المؤمن واسمه الكريم واسمه التواب واسمه الشكور واسمه الصبور كل ذلك يمكن كما أن يأخذ المؤمن حظه منه وهكذا... فالمسلم كما أن عليه أن يعمل أن يلاحظ الحكمة من العمل وعليه أن يتابع تكميل ذاته كهدف للعمل، وكثيرون من الناس يبقون في الدائرة الأولى على ضعف فيها دون أن ينتقلوا إلى الدائرتين الأخيرتين. وبعضهم قد يقفز إلى الدائرة الثانية ولكن لا ينتقل إلى الدائرة الثالثة فضلاً عن دائرة أخرى رابعة سنراها. وهذه نقطة: الغموض فيها علة عدم التطلع إليها ولذلك فإنها تحتاج إلى وضوح تام فلنقف أكثر من وقفة حول بعض المعاني حتى يتضح هذا المقام... قال تعالى: {إن الإنسان خلق هلوعاً إذا مسه الشر جزوعاً وإذا مسه الخير منوعاً إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم والذين يصدقون بيوم الدين والذين هم من عذاب ربهم مشفقون إن عذاب ربهم غير مأمون، والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون والذين هم بشهاداتهم قائمون والذين هم على صلاتهم يحافظون أولئك في جنات مكرمون} [المعارج: 19-35] لاحظ أن خلق الهلع الذي مظهره الجزع عند المصيبة والمنع عند النعمة لا يتخلص منه إنسان إلا إذا اجتمعت فيه مجموعة أمور، الصلاة والإنفاق والتصديق باليوم الآخر والإشفاق من عذاب الله وحفظ الفروج والقيام بالشهادة صدقاً وعدلاً، فمن اجتمعت له مجموعة الأمور هذه تخلص من مرض وتحقق بصحة ومن ثم فبشكل تلقائي متى تحقق إنسان بمجموع هذه المعاني انتفت عنده صفة الهلع أي وجد عنده خلقا الصبر والكرم. فالتحقق بالصبر والكرم علامة إقامة هذه المعاني كلها ونحن مكلفون بمجموع هذا، مكلفون بهذه الأعمال ومكلفون بالصبر وبالكرم وكما أن عليّ كمسلم أن أبذل جهداً في العمل لإقامة الصلاة فإن عليّ كذلك أن أحقق نفسي بالصبر والكرم من خلال مجاهدة النفس ومعرفة حدود الصبر والكرم. وتحقيقي بالصبر والكرم مظهر من مظاهر صحة القلب والنفس وعلامة على صحة طريقي ولكن الصبر والكرم يحتاجات إلى بذل جهد خاص فيهما فالله عز وجل قال: {وأحضرت الأنفس الشح} [النساء: 128] فما من حالة إلا والشح حاضر عندها وعلى صاحبها أن يتغلب على شحه بمجاهدة نفسه وبسلوك الطريق الموصل إلى لذلك ولكن كم من الناس يبدأ تلك البداية وينتهي هذه النهاية. لاحظ الآن كم يترتب على الفشل في الوصول إلى مقامي الصبر والكرم من آثار سيئة إنه ما لم يصبر الإنسان فإنه يكفر فالصبر إذن بدونه لا يكون إيمان وإذا لم يكن إيمان فلا شيء أبداً، والشح متى وجد لم يعد بالإمكان إطلاقاً أن يكون هناك تعاون بين المسلمين على أمر بل تنعدم إمكانية العمل الجماعي أصلاً ولذلك يقول عليه الصلاة والسلام "إذا رأيتم شحاً مطاعاً وهوى متبعاً ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بنفسك ودع عنك العوام فإن من ورائكم أياماً الصبر فيهن مثال القبض على الجمر للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عملكم، قيل يا رسول الله أجر خمسين منا أو منهم؟ قال: بل أجر خمسين منكم" أبو داوود والترمذي وقال حسن غريب لاحظ أن الشح المطاع هو الحلقة الأولى التي إذا وجدت فقد حل للإنسان أن يعتزل الناس لأنه لا فائدة من عمل جماعي أصلاً.

لاحظ من المثال المذكور كيف أن هناك أمراً وحكمة من هذا الأمر وآثاراً نفسية تترتب على ذلك وكيف أننا مكلفون بهذا كله. فالدائرة الثالثة من هذه الدوائر هي التي نسميها الحصة النفسية والقلبية ولنضرب مثالاً آخر. قال تعالى: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيَقتُلون ويُقتَلون وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذين بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم. التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين} [التوبة: 113-114] لاحظ من الآيتين أن اجتماع خصال الإيمان والتوبة والعبادة والحمد والسياحة التي هي الصوم أو الرحلة في الله والركوع والسجود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي التي ينبثق عنها وجود بيع نفس ومال لله فلا جهاد كاملاً إلا إذا توفرت هذه المعاني كلها. وأنا كمسلم مطالب بالتحقق بهذه الخصال ومطالب بأن أبيع نفسي لله فلو أن إنساناً عمل بهذه ثم لم يبع نفسه وماله لله فإنه يكون قد قصر في التكليف.

إن هناك أعمالاً ينبثق عنها حال نفسي وعن هذه الحالة النفسية تنبثق أعمال وتصرفات فهذه دائرة رابعة تنبثق عن الصحة القلبية، من المثالين السابقين ندرك أن هناك أعمالاً تستتبع وجود حالة نفسية وقلبية وهذه الحالة نحن مطالبون بها كما أننا مطالبون بالطريق الموصلة لها كما أننا مطالبون بالأعمال التي تنبثق عنها. هذه الحالة النفسية والقلبية التي نحن مطالبون بها هي الوضع الصحي للنفس وللقلب. ووجودها هي علامة الصحة وعلامة على استقامة السير وكثير من المسلمين تغيب عنهم قضية الصحة النفسية والقلبية بكل أبعادها كما تغيب عنهم كثير من الأعمال الموصلة إليها أو التي تنبثق عنها وهي نقطة خطر. وحتى الآن لم يتضح الشيء الذي نريده فلنضرب أمثلة أخرى. قال تعالى: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} [العنكبوت: 46] وقال تعالى: {وأقم الصلاة لذكري} [طه: 15] فالصلاة من آثارها ترك الفحشاء والمنكر والهدف من إقامة الصلاة هو ذكر الله عز وجل على الطريقة التي اختارها الله لنا والذكر من آثاره في القلب أن يعطيه اطمئناناً. قال تعالى: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} [الرعد: 28] فطمأنينة القلب هي الحالة الصحية له ونحن مطالبون بالوصول إليها والطريق إلى ذلك هو الذكر ومن الذرك الصلاة ونحن مطالبون بذلك ومن آثار الصلاة العملية الانتهاء عن الفحشاء والمنكر ونحن مطالبون بذلك. فالدوائر الثلاث بل الأربع إذن التي من جملتها الصحة القلبية والنفسية كلها مطالبون بها وعلينا أن نحصلها علماً وعملاً... قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} [البقرة: 184]. فالصيام فريضة وحكمة هذه الفريضة الوصول إلى التقوى. والتقوى ملكة في القلب ينبثق عنها سلوك معين ونحن مطالبون بالجميع وأحد أجزاء هذا الجميع هو الصحة القلبية والنفسية والروحية والعقلية التي ينبثق عنها سلوك معين والتي تكون كأثر عن عمل معين، وفي دائرة من هذه الدوائر يقع أحياناً نوع القصور أو التقصير. إذا اتضحت هذه الأمور فلنحاول أن نتحدث الآن عن معان من خلالها ندرك المراد من الصحة القلبية والنفسية والروحية بعد أن عرفنا محلها في دوائر التكليف...

يلاحظ أن القرآن قال عن النفس مرة {إن النفس لأمارة بالسوء} وهي حالة مرضية للنفس وقال مرة: {ولا أقسم بالنفس اللوامة} وهي حالة أرقى للنفس إذ تلوم صاحبها على الشر إذا واقعه. وقال: {يا أيتها النفس المطمئنة} فههنا حالة أرقى للنفس إذ أخذت حظها من الاطمئنان واليقين والملاحظ أن النفس المطمئنة هي التي يقال لها {ارجعي إلى ربك راضية مرضية}. فدل ذلك على أن النفس المطمئنة هي التي رضي الله عنها وسيرضيها. فالنفس المطمئنة إذن هي الحالة الصحية العليا للنفس. والطريق إلى هذه النفس المطمئنة هي ما قاله الله عز وجل: {ويهدي إليه من أناب. الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب}. {الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب} [الرعد: 27-28]. فالطريق إلى النفس المطمئنة الإنابة إلى الله والإيمان وكثرة الذكر ونحن مكلفون بذلك كله، فهذا نموذج على الصحة النفسية والقلبية وعلى الطريق الموصلة إليها ولنا الآن أن نسيح سياحة ثم نرجع إلى الموضوع الأصلي. يتحدث الصوفية عن شيء اسمه حال، وعن شيء اسمه مقام. ويعتبرون الحال هو مقدمة المقام فمثلاً أول ما يبدأ الإنسان يشتغل بالذكر يصل إلى طمأنينة مؤقتة للقلب لا تلبث أن تزول، فهذا حال فإذا تابع الإنسان الذكر وصل إلى طمأنينة دائمة للقلب فهذا مقام. ونحن مطالبون في كل مظهر من مظاهر الصحة القلبية والنفسية أن نصل إلى المقام لنتمكن فيه ولكن كثيرين تغيب عنهم ماهية مقامات الصحة كما يغيب عنهم العمل من أجلها. إننا مطالبون بالحلم إلا إذا انتهكت حرمات الله، فعندئذ نحن مطالبون بألا يقوم لغضبنا شيء حتى نقيم أمر الله. هكذا شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يغضب لشخصه وإنما يغضب إذا انتهكت حرمات الله، فإذا انتهكت حرمات الله لا يقوم لغضبه شيء فههنا مقامات مقام الحلم ومقام الغضب لله، والحلم لا يأتي دفعة واحدة وإنما الحلم بالتحلم فعندما يبدأ الإنسان يجاهد غضبه يفشل مرة وينجح مرة. فالحلم ههنا حال حتى يتمكن الإنسان من مقام الحلم فلا يغضب إلا حيث يجب عليه شرعاً أن يغضب، عندئذ يتمكن الإنسان من مقام الحلم ويكون في حالة صحية قلبية ونفسية. كم هي مجموع الأخلاق القلبية والنفسية التي نحن مطالبون بها؟ إن مجموع هذه الأخلاق إذا أصبحت لدينا كمقامات وتمكنا منها فعندئذ نكون قد ملكنا الصحة القلبية والنفسية وهي احدى دوائر التكليف الأربع التي نحن مطالبون بها. قلنا من قبل: إن في دين الله مقامات هي الإسلام والإيمان والإحسان والتقوى والشكر، والشكر له جانب قلبي وآخر عملي وكذلك الإسلام والإيمان فأن يحصل الإنسان الجانب القلبي في هذه المقامات فذلك علامة صحة القلب والعقل والنفس ولكنها دائرة من دوائر التكليف... قال تعالى: {وإذْ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى}. فالروح مقرة لله بالعبودية فبقدر تحقق الإنسان بالعبودية لله ظاهراً وباطناً تكون صحة. والله عز وجل خلق آدم على صورته أي على صفته كما عليه جماهير العلماء وإذاً فبقدر ما يأخذ الإنسان حظه من أسماء الله مع التحقق بالعبودية وعدم منازعة الله جل جلاله فيما هو من شأنه وحده جل جلاله فذلك علامة على الصحة. الرأفة في محلها والرحمة في محلها والكرم في محله والعفو في محله وإذلال من يستحق الإذلال وإعزاز من يستحق الإعزاز كل ذلك في حقنا مطلوب وهو تحقق بأسماء الله مع العبودية ولكن الكبرياء والعظمة من شأن الله وحده لأنهما من خصائص الربوبية فأن ينازع الإنسان رب العزة وخصائصه فذلك مرض. قال عليه الصلاة والسلام في الحديث القدسي "العز إزاري والكبرياء ردائي فمن نازعني شيئاً منهما عذبته" رواه البرقاني في مستخرجه، ورواه غيره والحديث صحيح.

والتحقق بما ينبغي التحقق فيه وترك ما لا ينبغي أن يكون من مظاهر الصحة القلبية والنفسية والروحية للإنسان فرض الله عز وجل عليك أن يتحقق قلبك بمعان وحرم عليك أن يكون فيه معان فأن يكون قلبك كذلك سلباً وإيجاباً فذلك علامة الصحة. فرض عليك ألا يكون في قلبك مودة للكافرين وفرض عليك أن تحبه وتحب رسوله وأن تحب أهل الإيمان، فرض عليك ألا تخاف غيره وفرض عليك أن تخافه وتخشاه وحده. فرض عليك أن ترجوه وفرض عليك ألا تقنط من رحمته وفرض عليك أن لا تأمن من مركه وفرض عليك ألا تتكبر وألا تبطر. فكل ما فرض عليك من أعمال القلوب وما حرمه عليك من أعمالها أن يصبح قلبك مطابقاً لما يحبه الله عز وجل في شأنه فذلك علامة الصحة. فرض عليك الصبر والتسليم والرضا والتوكل فإن تتحقق بهذا كله، فذلك علامة الصحة. فرض عليك أن تجلو مرآة قلبك وأن تجلو عين بصيرتك وطالبك بأن يتأمل قلبك آياته وأن ترى أفعاله وأن تستشعر صفاته وكل ذلك إن تحققت به فذلك من علامات الصحة وكل ذلك لن يتم إلا بذكر كثير وعلم غزير ومجاهدة شاملة ومذاكرة دائمة مع أهل ذلك. وأصل الأصول الذي عنه ينبثق كل شيء هو تعميق التوحيد في القلب. قال تعالى: {ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون}. لاحظ أن الوحي إنما يتنزل للإنذار بوحدانية الله ليترتب على ذلك الالتزام بتقواه فكلما تعمق التوحيد في القلب ترتب على ذلك كل خير، ولا يتعمق التوحيد إلا بذكر، وإن الأذكار كلها إن هي إلا تعميق لقضية التوحيد. فسبحان الله تنزيه لله، والحمد لله اعتراف بأنه المنعم وحده والله أكبر نفي لتعظيم غيره في القلب، ولا حول ولا قوة إلا بالله نفي أن يكون هناك فاعل سواه. فهل اتضحت بعد هذا كله معالم الصحة القلبية والنفسية عند المسلم. ومحلها في دوائر التكليف؟ لا أجدني حتى الآن مطمئناً إلى أنني أفلحت في التعبير عما أريد فلأبذل محاولة أخيرة: هناك في الإسلام أوامر ونواه ولكل أمر حكمته ولكل نهي حكمته وتنفيذ الأوامر واجتناب النواهي مع تحقيق حكمة الأمر وتحقيق حكمة اجتناب النهي يترتب عليه حال قلبي ونفسي، هذه الحالة هي مظهر الصحة القلبية والنفسية، فإذا صح القلب والنفس انبثق كأثر عن ذلك سلوك جديد هو ماء صاف وثمر طيب، هو نبع الفطرة وثمار الإيمان. يظهر ذلك في معاملة الحق والخلق فهذه أربعة دوائر. دائرة تنفيذ الأمر واجتناب النهي ودائرة تحقيق الحكمة في ذلك ودائرة ما يترتب على ذلك من صحة قلب ونفس. ودائرة ما ينبثق عن هذه الصحة من آثار ونحن مكلفون بهذه الدوائر كلها على تفاوت في درجات التكليف في كل مرحلة، وكثيرون من الناس يغلطون أو يقصرون في فهم هذه الدوائر والتحقق بها، وعلامة الصحة الكاملة هي التحقق بهذه الدوائر كلها والصحة القلبية والنفسية هي محور الصحة العامة والصحة القلبية والنفسية محورها معرفة الله والتحقق بأسمائه مع العبودية الكاملة له جل جلاله، وليكن هذا خاتمة هذا الباب ولعله قد وضح المراد.

 

|السابق| [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

تربيتنا الروحية 

فصول في الأمرة والأمير 

هذه تجربتي وهذه شهادتي 

الإجابات 

إحياء الربانية 

الرسول صلى الله عليه وسلم 

غذاء العبودية 

قوانين البيت المسلم 

موسوعة الكتب الحركية Book Select Book Select Book Select


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca