الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: تربيتنا الروحية
المؤلف: سعيد حوى
التصنيف: أسرة
 

محتويات الكتاب

الباب الرابع عشر - في الرُوى والكشف والإلهام والكرامة ومحلّها في دين الله

الباب الرابع عشر

في الرُوى والكشف والإلهام والكرامة ومحلّها في دين الله

والأخطاء الشائعة عنها وفيها في بعض الدوائر

 

الشيء الجوهري في السير إلى الله هو التحقق والشعور والذوق لقضايا الإسلام والإيمان والتقوى والإحسان والشكر وأن ينسجم السلوك مع ذلك وأن تصبح النفس مزكاة والقلب منوراً والروح عارفة بالله مستسلمة له والعقل شرعياً. وبكلمة واحدة العبودية الخالصة لله فإنها غاية مطلب الصديقين وهي أشرف المقامات على الاطلاق وهي الوص اللازم الأرقى لرسول الله صلى الله عليه وسلم {سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى} [الإسراء: 01]. {الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً} [الكهف: 01]. إن السالك إلى الله عز وجل هذه همومه أو هذا همه، وما سوى ذلك يفرجه إذا كان علامة على فضل الله عز وجل فهو يفرح به لأنه علامة على ذلك وبشارة على القبول {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون} [يونس]. فقد يجد السالك إلى الله الرؤيا الصالحة أو الكشف وقد يحس بالإلهام وقد تظهر على يده كرامة، وكل ذلك كما قلنا ليس هدفاً للسالك بحد ذاته وإنما هو محل فرحه لأنه علامة على القبول أو بشارة للسالك بأمر فإذا اتضح هذا نكون قد عرفنا ما هو الهدف بالنسبة للسالك، وههنا أول خطأ يقع فيه بعض الصوفية إذ يجعل بعضهم الهدف هو الوصول إلى الكشف أو إلى الكرامة أو غير ذلك من معان هي علامات على صحة السير وليست هدفاً في السير إذ المراد هو وجه الله عز وجل، قال تعالى: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه}. على أنه إذا كان بعض الصوفية يغلطون في جعل ما ليس هدفاً هدفاً فإنه من الملاحظ من التتبع التاريخي أن هذه المعاني من كشف أو إلهام أو رؤيا صالحة أو كرامة وهي أمور نجدها بكثرة في النصوص وفي حياة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه المعاني نادراً ما تجدها إلا في دوائر الصوفية ونادراً ما تجد حديثاً عنها يشبه الحديث عنها في النصوص كما نجده عند الصوفية وهذا دليل على أن التصوف الصحيح سير صحيح في طريق القدوة الصالحة بدليل ظهور ثمرات الاقتداء كاملة.

هذا ابن تيمية رحمه الله يذكر أن كرامات الشيخ عبد القادر الجيلاني منقولة تواتراً، وللشيخ ابن تيمية على الشيخ الجيلاني من الثناء ما لم يظفر به أحد إلا قليلاً. وفي ذلك كله دليل على أن السير إلى الله على طريقة الصوفية المحققين له فضله وثمراته ولكن كما سنرى فإن بعض الصوفية يغلو في بعض هذه الأمور أو يخطئ فيها وههنا كذلك مأخذ آخر. ولنبدأ عرض الموضوع من بدايته:

1-               الكشف: وصف الله عز وجل سيدتنا مريم عليها السلام بأنها صديقة قال تعالى: {وأمه صديقة} ومن المعروف في علم العقائد أن الله عز وجل لم يبعث رسولاً إلا رجلاً. قال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم} [يوسف: 109]، فمريم إذن صديقة فليست نبية ولا رسولاً ومع ذلك ذكر القرآن أن الملائكة خاطبتها {وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين} [آل عمران: 43]، {فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشراً سوياً. قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً. قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاماً زكياً} [مريم: 17-18-19]، وإذن فمن الممكن شرعاً أن يكشف الله عز وجل لغير الأنبياء والرسل عن الملائكة بحيث يسمع إنسان من غير الرسل أو يرى ملكاً، هذه الحالة لو حدثت لمسلم يسميها الصوفية كشفاً. هذا الكشف نجد نصوص السنة ذاكرة إمكانيته، ومجد نماذج له في حياة الصحابة، ونجد تاريخ التصوف الإسلامي المحقق زاخراً بمثل هذه المعاني. ومن قرأ سيرة الغزالي وما كتبه وهو إنسان موثوق رأى الكثير من هذا إن فيما وقع للغزالي نفسه أو فيما نقله عن أمثاله وذلك حجة كافية في حق المنصف، إذ أن الغزالي رجل صدق عند جماهير هذه الأمة ولنر ما يدل على إمكانية الكشف ووقوعه في جيل الصحابة وطرق الوصول إليه من النصوص:

أ-                  في الحديث رقم / 262 / من كتاب الترغيب والترهيب ما يلي: "عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم شديد الحر نحو بقيع الفرقد. قال: وكان الناس يمشون خلفه. قال: فلما سمع صوت النعال وقر ذلك في نفسه فجلس حتى قدمهم أمامه فلما مر ببقيع الفرقد إذا بقبرين قد دفنوا فيهما رجلين. قال: توقف النبي عليه الصلاة والسلام فقال: من دفنتم ههنا اليوم؟ قالوا: فلاناً وفلاناً. قالوا يا نبي الله وما ذاك قال: أما أحدهما فكان لا يتنزه من البول وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة، وأخذ جريدة رطبة فشقها ثم جعلها على القبرين. فقالوا: يا نبي الله، لم فعلت هذا؟ قال: ليخفف عنهما. قالوا يا رسول الله حتى متى يعذبان؟ قال: غيب لا يعلمه إلا الله، ولولا تمرغ قلوبكم، وتزيدكم في الحديث لسمعتم ما أسمع" رواه أحمد واللفظ له. لاحظ قوله عليه الصلاة والسلام "لولا تمرغ قلوبكم وتزيدكم في الحديث لسمعتم ما أسمع" فهذا يدل على ماهية المانع من الكشف ويدل على امكانية الكشف ويدل على الطريق إلى الكشف هو عدم التزيد في الحديث وتصفية القلب، ولتصفية القلب طرقها المذكورة في النصوص كما سنرى.

ب-               في الحديث /9662 / من كتاب جمع الفوائد ما يلي: حنظلة بن الربيع الأسيدي أحد كتاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: لقيني أبو بكر فقال كيف أنت يا حنظلة؟ قلت: نافق حنظلة. قال: سبحان الله ما تقول؟ قلت نكون عند النبي صلى الله عليه وسلم يذكرنا بالنار والجنة كأنا رأي عين وإذا خرجنا من عنده عافَسْنا الأزواج والأولاد والضيعات ونسينا كثيراً: قال أبو بكر فوالله إنا لنلقى مثل ذلك. فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: نافق حنظلة يا رسول الله. فقال: وما ذاك؟ قلت نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة كأنا رأي عين فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات ونسينا كثيراً فقال صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم ولكن يا حنظلة ساعة وساعة ثلاث مرات" للترمذي ومسلم بلفظه.

لاحظ قوله عليه الصلاة والسلام والذي نفسي بيده لو تدومون عل ما تكونون عليه عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طريقكم..." إن هذا الحديث يدل على أنه يمكن لكل صحابي إذا حافظ على الحال الذي يحصله حال جلوسه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا داوم مع ذلك عل الذكر أن يصير إلى حالة تصافحه فيها الملائكة ولعله من هذين الحديثين ندرك أن الصمت إلا فيما لا ينبغي والذكر من الأسباب التي يصل بها الانسان إلى الكشف...

ت-               في الحديث / 6731 / من جمع الفوائد ما يلي: روى البخاري عن أسيد بن حضير: بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة وفرسه مربوطة عنده إذ جالت الفرس فسكت فسكتت، فقرأ فجالت فسكت فسكتت، ثم قرأ فجالت فانصرف وكان ابنه يحيى قريباً منه فأشفق أن تصيبه ولما أخره رفع رأسه إلى السماء فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح، فلما أصبح حدث النبي صلى الله عليه وسلم فقال: اقرأ يا ابن حضير، اقرأ يا ابن حضير، قال: أشفقت يا رسول الله أن تطأ يحيى وكان منها قريباً فانصرفت إليه ورفعت رأسي إلى السماء فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح فخرجت حتى لا أراها. قال وتدري ما ذاك؟ قال لا والله قال تلك الملائكة دنت لصوتك ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى عنهم. لاحظ أن أسيداً رأى ثم لاحظ قوله عليه السلام تلك الملائكة دنت لصوتك ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى عنهم. من هذا النص نرى إمكانية الكشف ووقوعه للصحابة وكيف أن قراءة القرآن طريق للكشف. ونجد في حياة الصحابة أكثر من نص يتحدث عن رؤية بعض الصحابة للجن مع أن الجن من عالم الغيب وسنرى في سلسلة / الأساس في المنهج / أدلة كثيرة عليه ونصوصاً ندرك إمكانية الكشف وندرك وقوعه للصحابة فإذا ما وجدنا ناساً ساروا في التصوف المحرر إلى منتهاه وحدثونا مع كونهم عدولاً عن مثل ذلك فلا تستغرب أصل وقوعه كما نستدل بذلك على صحة الطريق ولكن ههنا أكثر من غلط يقع فيه بعض الصوفية:

1ً- إن بعضهم يعتبر الكشف أصلاً زائداً على الكتاب والسنة يمكن أن تثبت به حقائق غيبية زائدة على ما ذكر في الكتاب والسنة، وبعضهم يعتبر أن كل ما قاله صوفي في هذا المجال واجب التصديق فكأنها نبوة جديدة، أو كأن غير الرسول يمكن أن يكون معصوماً، وفي ذلك من الضلال ما فيه.

2ً- يربط بعض الصوفية بين تصديق بعض الناس في أمر الكشف وبين التسليم لهم في كل أمر دون التحقق من الحكم الشرعي في هذه الشؤون وبالتالي نجد كثيرين من أتباع الشيوخ يتابعون شيوخهم وكأن شيوخهم معصومون. هذا مع أن الكشف قد يؤتاه انسان استدراجاً ثم يختم له بسوء والعياذ بالله وفي قصة بلعم التي تحدثت عنها آيات الأعراف وما يقوله المفسرون في ذلك وما تشير إليه الروايات الاسرائيلية ما يشير إلى ذلك.

3ً- يربط بعض الصوفية بين الكشف وترك التكليف فيرون أن الإنسان متى كشف له شيء من أمر الغيب وما أكثر ما يتوهون في هذا الشأن سقط عنه التكليف فلا صلاة ولا صيام ولا غير ذلك ويستشهدون على ذلك بقوله تعالى: {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين}. وهؤلاء كفار بإجماع الأمة إذ اليقين في الآية هو الموت بدليل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بقي يعبد ربه حتى مات. ترى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعبد ربه حتى الموت وهم لا يعبدون، أبلغوا من اليقين أكثر منه عليه الصلاة والسلام / ألا لعنة الله عليهم / وفي أمثال هؤلاء يقول الجنيد "وصلوا ولكن إلى سفر" وأخيراً نقول: إن الكشف ممكن وهو مما يمكن أن يصادفه السالك إلى الله وهو من مظاهر فضل الله وابتلائه ولكنا جميعاً مقيدون بالنصوص، لا بالكشف والكشف لا تثبت به عقيدة جديدة ولا يزاد به على النصوص ولا تتعبد به الأمة ولا تكلف الأمة بتصديق أصحابه ولكن لا حرج على من صدق العدول فيه إذا كان تصديقاً لنصوص الكتاب والسنة وإنما قلنا بأن الأمة لا تكلف بتصديق أصحابه حتى ولو كانوا صادقين لأن قلوبهم ليست معصومة في أمر الغيب واحتمال التوهم قائم ولأن الكشف قد يكون امتحاناً لإنسان أو للناس فينزل به صاحبه أو غيره. بهذه القيود كلها ندرك محل الكشف في شريعة الله عز وجل ونستطيع على ضوئها أن نقرأ في كتب الصوفية وإذا ما صادفنا كلام عن كشف عرفنا حدود الأخذ والرد. ولنتذكر ما قلناه في الابتداء من كون السالك ليس همه الكشف وغيره مما يمكن أن يصادف السالك أثناء سيره الذي لا نهاية له وإنما همه الآخرة ومراده وجه الله. أخرج الترمذي عن أنس رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه وجمع عليه شمله وأتته الدنيا وهي راغمة ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه وفرق عليه شمله ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له" وزاد في رواية "فلا يمسي إلا فقيراً ولا يصبح إلا فقيراً، وما أقبل عبد على الله بقلبه إلا جعل الله قلوب المؤمنين تنقاد إليه بالود والرحمة وكان الله بكل خير إليه أسرع" وبمناسبة الكلام عن الكشف نقول: إن أدب السالك إلى الله ألا يتطلع إلى الكشف وفي ذلك يقول ابن عطاء: "تشوقك إلى ما بطن فيك من العيوب خير من تشوقك إلى ما حجب عنك من الغيوب" ثم من آداب السالكين إلى الله ومن آداب الشيوخ بل من أدب كل إنسان أنه إذا كشف له من عيوب الناس شيئاً أن يسترها وألا يتكلم بها وأن يكون خلقه الرحمة في هذا المقام مع محاولة التطبيب والعلاج مع وجود الحذر فالمكاشف لا تثبت بكشفه حجة في حق الغير من الناحية الشرعية وحتى كشفه في حق نفسه يبقى محل تهمة لأنه يخشى أن يكون فتنة له من الله عز وجل. يقول ابن عطاء: "ربما أطلعك على غيب ملكوته وحجب عنك الاستشراف على أسرار العباد. من اطلع على أسرار العباد ولم يتخلق بالرحمة الإلهية كان اطلاعه فتنة عليه وسبباً لجر الوبال إليه" ولننتقل إلى شيء آخر يمكن أن يصادفه السالك وهو الإلهام.

2-               الإلهام: لندرس بعض ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمر بن الخطاب وما قاله بعض الناس في شأن عمر رضي الله عنه لنرى من خلال ذلك ظاهرة يمكن أن توجد عند الرجل المسلم. يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه الشيخان: "لقد كان فيمن كان قبلكم ناس محدّثون من غير أن يكونوا أنبياء فإن يكن في أمتي أحد فإنه عمر" قال السيوطي في تفسير (محدثون) أي ملهمون. وأخرج أحمد والبزار عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم "إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه" وأخرج ابن عساكر عن طارق بن شهاب قال: "إن كان الرجل ليحدث عمر بالحديث فيكذبه الكذبة فيقول: احبس هذه ثم يحدثه بالحديث فيقول: احبس هذه فيقول له: كل حديثي حق إلا ما أمرتني أن أحبسه". من هذه النقول ندرك أن شيئاً ما يمكن أن يقع في قلب الرجل المسلم هذا الشيء غيبي المصدر ولكنه معلم وموجه ومذكر وله حكم الحقيقة بآن واحد. هذا الشيء يمكن أن يتحقق فيه أفراد في هذه الأمة بلا شك وأن يناله من فضل الله أفراد. إن ظاهرة الإلهام في المجتمع الإسلامي وفي القلب المسلم ظاهرة ممكنة الوقوع شرعاً ووقوعها كحقيقة خلال التاريخ شيء لا شك فيه ولا شبهة بل كثيراً ما يصادفها الإنسان في نفسه أو فيمن حوله إن كان له شيء من سير قلبي إلى الله عز وجل. إذا اتضح هذا الأصل بشكل مبدئي نقول: إن القلب الإيماني يشبه في أحد جوانبه جهاز الاستقبال لأنواع من الموجات فهو يستقبل خواطر شيطانية، كما أنه يستقبل واردات ربانية أو هواجس نفسية وهي قضية أدلتها من النصوص موجودة وأدلتها من الإحساسات البشرية الراقية موجودة وتختلط على أكثر الخلق ولا يدرك أسرارها إلا القليل، إنك تجد حتى الكافرين تحدثوا عن عالم النفس فتحدثوا عن شعور ولا شعور، وتحدثوا كيف تطفو قضايا من اللاشعور إلى الشعور وتحدثوا عن تداعي أفكار وتحدثوا كيف عن حدس وعن ظن وعن إلهام وكل ذلك تحدثوا عنه كأثر من آثار التأمل الباطني ومحاولة استكشاف عالم النفس. وتحدث حتى الكافرون عن ضمير وتأنيب ضمير وأمثال هذه المعاني. وهي قضية ما خرجوا عن كونهم وهم يتحدثون عنها مسجلين لإحساسات معينة لدى أنفسهم أو أنفس آخرين، ونحن المسلمين كأصل عام نقبل الملاحظة ونشترك مع الناس في تسجيلها ولكن شتان بين كثير من تعليلاتنا وتعليلات الآخرين، فتعليلاتنا علم خالص وتعليل الآخرين ظن خالص ثم إن غير المسلمين يقفون دائماً عند حدود لا يتجاوزونها فمثلاً: الكافر لا يستطيع أن يسجل شيئاً عن ظاهرة القلب الإيماني والإحساسات القلبية التي توجد في حالة وجوده ولكن المسلم يحس بذلك ويستطيع تسجيله ومن ثم فآفاق الإحساس القلبي والروحي عند المسلم آفاق لا يتطاول إليها أحد يضاف إلى ذلك أن المسلم وهو يسجل الإحساس القلبي الغيبي عنده النصوص القطعية التي بها يستطيع أن يطمئن إلى أن إحساساته صحيحة إذ أن النصوص الربانية تبين له حقائق عالم النفس والقلب والعقل وما يمكن أن يحدث فيها ولها فإذا ما أحس بمعنى ووجد النص يتحدث عنه أدرك المطابقة بين الحقيقتين الكبيرتين: حقيقة الصدق في النص وحقيقة حاله الذي هو فيه وأنه حال صالح، وبشكل عام فالقلب يستقبل أربعة أنواع من الإيحاءات:

أ-                  الإيحاء الشيطاني: قال تعالى: {شياطين الجن والإنس يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً} [الأنعام: 113]. وقال تعالى: {ألم ترى أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزاً} [مريم: 85]. وقال تعالى: {الشيطان يعدكم الفقر} [البقرة: 269].\

ب-               الإيحاء النفسي: قال تعالى: {إن النفس لأمارة بالسوء}. وقال تعالى: {ولا أقسم بالنفس اللوامة}.

ت-               الخاطر الملكي: يقول عليه الصلاة والسلام: "في القلب لمتان لمة من الملك إيعاد بالخير وتصديق للحق فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله سبحانه وليحمد الله، ولمة من العدو إيعاد بالشر وتكذيب بالحق ونهي عن الخير فمن وجد ذلك فليستعذ بالله من الشيطان الرجيم".

ث-               الإلهام الرباني: قال تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} [العنكبوت: 69]، وقال تعالى: {والذين اهتدوا زادهم هدىً وآتاهم تقواهم} [محمد: 17]. ويسمي العلماء الإيحاء الشيطاني وسوسة، والإيحاء النفسي هاجساً، ويسمون القاء الملك في القلب خاطراً، ويسمونه الإلقاء الرباني وارداً أو إلهاماً وهذه قضايا محسة مذاقة عند من كان له قلب وأن يكون للإنسان قلب يحس به وقلب لا يحس به هذه قضية تحدث عنها القرآن. قال تعالى: {إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب...} وحدد الله مكان هذا القلب في الصدر حتى لا يشتط بالإنسان فكره فقال: {ولكن تعمى القلوب التي في الصدور}. قلنا إن من كان له قلب يحس بالإلقاءات المتنوعة ويعرفها ويميز فيما بينها وقد جعل بعضهم علامات لكل نوع من أنواع الإلقاءات ليجتمع العلم والذوق للإنسان فيميز بين أنواع هذه الإلقاءات. ولقد فصل في ذلك الشيخ أحمد الزروق في كتابه قواعد التصوف فذكر أن من علامات الخاطر الشيطاني السرعة وضيق القلب، وزواله بالذكر وأن الهاجس النفسي كثير الإلحاح. وأن الخاطر الملكي يتمكن بالذكر وتصحبه برودة في القلب وأن الوارد الرباني يكون في شأن التوحيد وذكر دقائق في هذا المقام يحسن أن تراجع.

إذا اتضح هذا كله ندرك كيف أن المسلم الحي القلب وحده من بين بني البشر يحس بشيء اسمه القلب، ويحس بمجموعة التيارات التي تهب على هذا القلب، فبينما يحس الكافر بقضية النفس وخواطرها فقط، نجد المسلم يشترك مع الكافر بهذه الاحساسات مع تصفية لها وارتقاء فيها ويحس بأشياء كثيرة، وله آلة استقبال غير معطلة، هذه الآلة فيها حياة ولها خصائص، ومن ثم فالتركيب العام للجانب الآخر للإنسان المسلم يختلف اختلافاً جوهرياً عن كل إنسان في هذا العالم. ومن ثم ندرك أن كثيراً من الأمور الغيبية هي في حق المسلم محسة مذاقة ولكنه إحساس بآلة أخرى غير الحواس الظاهرة وذوق بآلة أخرى غير الآلات الظاهرة وكذلك ندرك أن المسلم بشكل دائم يتلقى توجيهاً مباشراً من عالم الغيب بواسطة الإلهام والخواطر الملكية كما تلقى التوجيه الموحى إليه عن طريق النبوة والوحي والمتمثل بالكتاب والسنة. فالمسلم العليم بالكتاب والسنة يتحرك في كل أمر على ضوئهما ويسدده مع ذلك إلقاءات غيبية في قلبه ولكن: ذكرنا من قبل أن أنواع الإلقاءات التي تقذف في قلب العبد المؤمن ليست فقط الإلقاءات الربانية والإلقاءات الملكية بل هناك إلقاءات نفسانية وإلقاءات شيطانية. والقلوب ما عدا قلوب الأنبياء غير معصومة ولا تستطيع دائماً التمييز ولذلك فإن المسلم مكلف بالنص المعصوم وعليه أن يزين كل ما ورد إلى قلبه بميزان النص المعصوم ولذلك قال أبو سليمان الداراني "ربما وقعت النكتة من كلام القوم في قلبي فلا أقبلها إلا بشاهدي عدل من الكتاب والسنة لأن الله عز وجل ضمن لي العصمة في الكتاب والسنة ولم يمضنها لي فيما سوى ذلك". ولنفرض أن المسلم وصل إلى حالة أصبح بإمكان قلبه أن يميز بين الإلقاءات لكن احتمال الغلط يبقى وارداً واحتمال الفتنة الربانية للقلب يبقى وارداً من باب الابتلاء والامتحان ليبقى المؤمن ملتزماً بالنص ومتحركاً على ضوء العلم ومن ثم نجد الكتاب والسنة يحدثاننا عن قضية امتحان القلب فكما أن الجسد يمتحن فكذلك القلب يمتحن. قال تعالى: {أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى}. وقال عليه الصلاة والسلام "تعرض الفتن على القلوب عوداً عوداً فأي قلب أنكرها..." ومن هذا كله ندرك أنه لا بد من قلب من نوع معين ولا بد من قلب يرفض الفتن ولا بد من ميزان، والميزان هو الكتاب والسنة والقلب المعين هو القلب السليم الذي يرفض الفتن ولا يقبلها والذي وعد بعد الوصول أن يحفظ من الفتن ولكن لا يعني أنه لا يفتن بل يفتن ولكن الفتنة لا تضره. وبعد هذا الكلام كله أصبح بإمكاننا أن نعرف مواطن الغلط عند بعض الصوفية.

1ً- لقد تصور بعض الصوفية أن بإمكانهم أن يستغنوا من خلال الخاطر والكشف والإلهام عن دراسة الكتاب والسنة وعن العلم بالعقائد والفقه والسير البصير إلى الله وقواعد ذلك وبهذا يكونون قد أفقدوا أنفسهم الميزان وحيث لا ميزان فالتقدير خاطئ. قال تعالى: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط} [الحديد: 25]. إنه متى أضعنا الميزان وجد الضلال قال عليه الصلاة والسلام "إني تارك فيكم شيئين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما كتاب الله وسنتي" رواه الحاكم بلفظ (تركت...) ورواه غيره.

2ً- لقد تصور بعض الصوفية أنه يمكن أن تصل بعض القلوب إلى العصمة فاعتبروا كل ما يلقى فيها وكأنه وحي منزل وبذلك جعلوا قلوب الأولياء كقلوب الأنبياء وهذا كفر وضلال فالله عز وجل تعبد الخلق برسالة محمد صلى الله عليه وسلم فكيف نجعل على قدم المساواة ما يلقى به في بعض القلوب بما ألقي في قلب محمد صلى الله عليه وسلم قال تعالى: {وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك} [الشعراء: 193]. فأين ذلك القلب وذلك الوحي من قلوب أخرى وإلقاءات أخرى مختلطة ومهما ادعى المدعون أن قلباً يرقى إلى حيث يدرك ما يلقى فيه فإن أحداً لا يجوز أن يدعي عصمة القلب وإلا فإنه يكفر.

3ً- انطلق كثير من الصوفية بلا ميزان وبتصور أن قلوب الشيوخ معصومة فضلوا وأضلوا. قال لي بعضهم على لسان كبير من الصوفية "بقرآني بآياتي لو أمرني الشيخ أن أسجد للات لسجدت" فيا ويلاه من مثل هذا. هل هذا يجوز لمسلم أن يعتقد أن ما أمره الشيخ به يجوز له تنفيذه ولو كان كفراً أليس هذا هو عين ما فعله النصارى {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله} وذلك كما فسرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم. ويدافع بعض الناس عن أمثال هؤلاء بأن هذا يريد كذا وأن الشيخ يستحيل أن يأمره إلا بخير ونقول: هل هناك شك بأن السجود للات والعزى شرك فكيف يعلن عن استعداده للطاعة حتى في مثل هذا، إن مجرد الإعلان عن الاستعداد للطاعة في مثل هذا كفر فلا يضلنك يا أخي عن الطريق المبصر تأويلات الجاهلين وكما كان شيخنا محمد الحامد رحمه الله يتمثل بقول:

 

        خلّö عنك الأوهام يا ام عمرو                    ودعينا من طيشك المعهود

وهكذا وباختصار رأينا ما يمكن أن يصادفه السالك من إلهامات وخواطر ورأينا حدود ذلك وجوانب الخطأ التي وقع فيها بعض الصوفية في هذا المقام. وبمناسبة الكلام عن الخواطر والإلهامات نقول: إنه لا شيء يساعد السالك إلى التمييز بين الخواطر والهواجس وغيرها مثل أكل الحلال والورع فيه فقد قالوا: من عرف ما يدخل في جوفه عرف ما يهجس في نفسه وقضية أكل الحلال والورع في شأن الكسب تعتبر من بديهيات الاسلام في حق كل مسلم فضلاً عن سائر في طريق الولاية العظمى ولذلك لم نتكلم عنها كثيراً في هذا الكتاب لأن البحث المفصل فيها والطريق للتدقيق في شأنها محله كتب الفقه. على أن الغزالي في المجلد الثاني من الاحياء عقد لذلك بحثاً هو من أحلى وأعذب وأجود ما يقرأ في هذا المقام. ولننتقل إلى قضية أخرى تعرض للسالكين وهي قضية المقامات والرؤى.

3-               الرؤى والمنامات:

للرؤى والمنامات في الحياة البشرية دور كبير وقد كان هذا الدور كبيراً في كل العصور وفي عصرنا بالذات أصبح للرؤيا تفسيرات متعددة وأصحاب هذه التفسيرات لهم اتجاهات شتى، والماديون بشكل عام يعتبرون الأحلام والرؤى المنامية من باب هواجس النفس وتداعي الأفكار ولكن هذا لا يفسر كل أنواع الرؤى التي يراها أصناف من الناس ومن ثم كان كلامهم يدور حول نوع واحد من أنواع الرؤى وقد كان المسلمون هم السابقين بفضل الوحي إلى تصنيف الرؤى إلى أنواع ثلاثة: الرؤى التي هي أثر عن هواجس النفس وتداعي الأفكار وهي التي تسمى الرؤى النفسية والرؤى التي يتدخل فيها الشيطان بأن يتسلط في نوم الانسان على محل تداعي الفكر منه فيلقي إليه ما يلقي فتتوجه رؤياه نتيجة لتلك بهذه الإلقاءات وهي الرؤيا الشيطانية ثم يأتي النوع الثالث من الرؤى وهي الرؤى الروحية الربانية وهذا النوع من الرؤى شيء مهم جداً لأنه يكون مبشراً أو منذراً أو مخبراً أو محذراً إلى غير ذلك من معان هي في الذروة من توجيه الإنسان والتأثير في سلوكه أو في توجهاته ولقد استطاع علماء المسلمين من خلال ما قصه الله عز وجل علينا في القرآن من رؤى وتفسيراتها كرؤيا يوسف ورؤيا العزيز ورؤيا ابراهيم ومن خلال الرؤى التي رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم وفسرها أو رآها أصحابه وفسرها لهم عليه الصلاة والسلام أو من خلال القواعد المستنبطة والاستقراءات الواسعة أن يكتبوا في موضوع الرؤى أدق الكتب العلمية وأن يضعوا القواعد التي بها تعرف ما إذا كانت الرؤيا شيطانية أونفسانية أو ربانية ثم ماذا تعني رموز الرؤى الربانية لأن الغالب في الرؤى أن تكون رمزية كما نرى هذا واضحاً في سورة يوسف سواء في ذلك رؤيا يوسف نفسه عليه السلام أو رؤيا العزيز. والسالكون إلى الله عز وجل والسائرون إليه والمقبلون عليه حظهم من الرؤى المبشرة كبير وفي الحديث الذي أخرجه مالك والبخاري وأبو داوود "لم يبق بعدي من النبوة إلا المبشرات، قالوا وما المبشرات؟ قال الرؤيا الصالحة" فالروح كلما شفت انطبع فيها أثناء النوم معان من عالم الغيب هذه المعاني ذات مغزى كبير ولها دورها الكبير في توجيه الانسان ولو أننا تأملنا هذا الحديث الصحيح "رؤيا المسلم جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة". لو تأملنا هذا الحديث لأدركنا أهمية الرؤيا بالنسبة للقلب المسلم وإذا عرفنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يسأل أصحابه يومياً تقريباً عما إذا أحدهم رأى رؤيا إذا عرفنا هذا أدركنا جهل الذين لا يعطون للرؤيا أهمية. ولكن إذا كان للرؤيا مثل هذه الأهمية فلا شك أن التمييز بين أنواع الرؤى مهم وأن الهجوم على تعبير الرؤى ممن لا يتقن ذلك خطأ كبير لما يترتب عليه من مفاسد كثيرة إذ أكثبر الرؤى تأتي بثوب رمزي فظاهرها شيء وتأويلها شيء آخر وأحياناً يكون ظاهرها مخيفاً وتأويلها مبشراً والتأويل الخاطئ في غاية الخطورة وكل ذلك يقتضي علماً في تعبير الرؤى وتأنياً في التعبير إذ تفسير الرؤيا في كثير من الأحوال يشبه الفتوى في كون المسألة قد تكون مرتبطة بعدة أبواب ولكل رؤيا مفاتيحها وقد يكون مفتاحها في اسم أو في إشارة خفية ومن القواعد الرئيسية أن الرؤيا في حق الأنبياء وحي ولذلك يبنون عليها الأحكام فهذا سيدنا ابراهيم بنى على رؤياه أنه قرر ذبح اسماعيل عليه السلام ولكنها في حق غير الأنبياء ليست وحياً. فالرؤى في حق غير الأنبياء يمكن أن تكون نفسية أو شيطانية أو ربانية فهي مختلطة وحتى الرؤيا الربانية تأتي في كثير من الأحيان بشكل رموز وقد يخطىء المعبر ولأمر ما استعمل القرآن لفظة الظن قال تعالى على لسان يوسف: {وقال للذي ظن أنه ناج منهما}، فمع أن يوسف عليه السلام كان يعبر بإلهام رباني ومع ذلك أشعرتنا الآية أن التعبير يبقى للظن فيه نصيب هذا مع ملاحظة أن ظن في اللغة تأتي أحياناً بمعنى يتقن وعليها تحمل الآية ومن ثم فإجماع المسلمين متفق على أن الرؤيا في حق غير الأنبياء لا يجوز وإن تكون مصدر تشريع وحتى قالوا لو أن الإنسان رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وهو الذي لا يمكن أن يتمثل الشيطان بصورته فأمره أمراً يخالف الشريعة فإننا نقول له إنك واهم ويحرم عليه أن يبني على رؤياه فكيف فيما سوى ذلك من الرؤيا والذي حدث في شأن الرؤيا عند بعض الصوفية أنهم:

1ً- يبنون على الرؤى مواقف تناقض شريعة الله عز وجل وتناقض أحكام الله فما أكثر ما بنى صوفي على رؤيا فاتخذ موقفاً كأن يعطي ولاءه لكافر بناء على رؤيا فأين النصوص...!

2ً- ربما يوجه الشيخ رؤيا المريد في اتجاه لا يخدم حتى مصلحة المريد الأخروية وبما لا يتفق مع أصول تعبير الرؤيا.

3ً- كثيراً ما حدث أن أقام بعض الشيوخ بناءً على رؤى أعمالاً هي من باب البدع عند الفقهاء.

4ً- كثيراً ما كانت الرؤى سبباً في إعطاء حجم لأمور أو إعطاء صفة لم يعطها الشارع كأن نجد شيخاً يعتبر العمل الفلاني أعظم عند الله من عمل آخر بينما النصوص على خلاف ذلك. وهكذا نجد أن الرؤى التي يصادفها السالكون إلى الله كما يصادفها غيرهم كانت في كثير من الأحيان سبباً في خطأ شرعي فأبدلت النعمة بذلك فصارت بسبب الجهل إما طريقاً للكفر أو معبراً لخطأ شرعي أو لضلال. هذه نماذج ثلاثة ذكرناها في هذا الباب مما يمكن أن يصادفه السالك إلى الله وكيف يمكن أن تؤدي بسبب الجهل أو الخطأ أو غير ذلك إلى انحرافات ولذلك أردنا أن نبين حدود هذه الأمور. ولننتقل إلى قضية أخرى تصادف السالك إلى الله أو يسمع عنها وللناس في شأنها أغلاط كثيرة وتقوم بسببها توهمات كثيرة وهي قضية الكرامات.

5ً- الكرامات: عقد الشيخ النووي رحمه الله في كتاب رياض الصالحين باباً ذكر فيه بعض الكرامات فلنر ما ذكره الشيخ قال: باب كرامات الأولياء وفضلهم:

 

في كرامات الأولياء

وفضلهم

 

قال الله تعالى: {ألا إن أولياء الله لا خوفñ عليهم ولا هم يحزنون. الذين آمنوا وكانوا يتقون. لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم}. وقال الله تعالى: {كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب} [آل عمران: 37]. وقال تعالى: {وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيء لكم من أمركم مرفقاً، وترى الشمس إذا طلعت عليهم تزاورُ عن كهفهم ذات اليمين، وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال} [الكهف: 16].

-        عن أبي محمد عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما أن أصحاب الصّفة كانوا أناساً فقراء، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال مرة: "من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس، بسادس" أو كما قال، وأن أبا بكر رضي الله عنه جاء بثلاثة، وانطلق النبي صلى الله عليه وسلم بعشرة، وأن أبا بكر تعشّى عند النبي صلى الله عليه وسلم ثم لبث حتى صلى العشاء، ثم رجع فجاء بعد ما مضى من الليل ما شاء الله، قالت امرأته: ما حبسك عن أضيافك؟ قال: أو ما عشيتهم؟ قالت: أبوا حتى تجيء وقد عرضوا عليهم. قال: فذهبت أنا فاختبأت فقال: يا غُنثر، فجدّع وسبّ، وقال: كلوا لا هنيئاً والله لا أطعمه أبداً. قال: وأيم الله ما كنا نأخذ من لقمة إلا ربا من أسفلها أكثر منها حتى شبعوا وصارت أكثر مما كانت قبل ذلك، فنظر إليها أبو بكر فقال لامرأته: يا أخت بني فراس ما هذا! قالت: لا وقرة عيني لهي الآن أكثر منها قبل ذلك بثلاث مرات! فأكل منها أبو بكر وقال: إنما كان ذلك من الشيطان (يعني يمينه) ثم أكل منها لقمة ثم حملها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأصبحت عنده، وكان بيننا وبين قوم عهدñ فمضى الأجل فتفرقنا اثني عشر رجلاً مع كل رجل منهم أناس الله أعلم كم مع كل رجل، فأكلوا منها أجمعون. وفي رواية: فحلف أبو بكر لا يطعمه، فحلفت المرأة لا تطعمه، فحلف الضيف أو الأضياف أن لا يطعمه أو يطعموه حتى يطعمه، فقال أبو بكر: هذه من الشيطان! فدعا بالطعام فأكل وأكلوا، فجعلوا لا يرفعون لقمة إلا ربت من أسفلها أكثر منها، فقال: يا أخت بني فراس ما هذا!؟ قالت: وقرة عيني إنها الآن لأكثر منها قبل أن نأكل، فأكلوا وبعث بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر أنه أكل منها. وفي رواية: أن أبا بكر قال لعبد الرحمن: دونك أضيافك فإني منطلق إلى النبي صلى الله عليه وسلم فافرغ من قراهم قبل أن أجيء، فانطلق عبد الرحمن فأتاهم بما عنده، فقال: اطعموا. فقالوا: أين رب منزلنا؟ قال: اطعموا. قالوا: ما نحن بآكلين حتى يجيء رب منزلنا، قال: اقبلوا عنا قراكم فإنه إن جاء ولم تطعموا لنلقين منه، فأبوا فعرفت أنه يجد عليّ، فلما جاء تنحيت عنه، فقال: ما صنعتم؟ فأخبروه. فقال: يا عبد الرحمن، فسكت، ثم قال: يا عبد الرمن، فسكت: فقال: يا غُنثر أقسمت عليك إن كنت تسمع صوتي لما جئت، فخرجت فقلت: سل أضيافك، فقالوا: صدق، أتانا به، فقال: إنما انتظرتموني والله لا أطعمه الليلة، فقال: الآخرون:والله لا نطعمه حتى تطعمه، قال: ويلكم مالكم لا تقبلون عنا قراكم؟ هات طعامك، فجاء به فوضع يده فقال: بسم الله، الأولى من الشيطان، فأكل وأكلوا. متفق عليه. قوله "غُنثر" بغين معجمة مضمومة ثم نون ساكنه ثم ثاء مثلثة هو: الغبي الجاهل. وقوله "فجدع" أي شتمه والجدع: القطع. قوله: "يجد عليّ" هو بكسر الجيم: أي يغضب.

-        وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لقد كان فيما قبلكم من الأمم ناسُ محدثون، فإن يكن في أمتي أحدñ فإنه عمر" رواه البخاري، ورواه مسلم من رواية عائشة. وفي روايتهما قال ابن وهب: "محدّثون" أي ملهمون.

 

-        وعن جابر بن سمرة رضي الله عنهما قال: شكا أهل الكوفة سعداً (يعني ابن أبي وقاص) رضي الله عنه إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فاستعمل عليهم عمّاراً، فشكوا حتى ذكروا أنه لا يحسن يصلي، فأرسل إليه فقال: يا أبا إسحاق إن هؤلاء يزعمون أنك لا تحسن تصلي، فقال: أما أنا والله فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أخرم عنها: أصلي صلاتي العشاء فأركد في الأوليين وأخف في الأخريين، قال: ذلك الظن بك يا أبا إسحاق، وأرسل معه رجلاً أو رجالاً إلى الكوفة يسأل عنه أهل الكوفة، فلم يدع مسجداً إلا سأل عنه ويثنون معروفاً، حتى دخل مسجداً لبني عبس فقام رجل منهم يقال له أسامة بن قتادة يكنى أبا سعدة، فقال: أما إذ نشدتنا فإنّ سعداً كان لا يسير بالسرية، ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية. قال سعد: أما والله لأدعون بثلاث: اللهم إن كان عبدك هذا كاذباً قام رياءً وسمعة، فأطل عمره، وأطل فقره، وعرضه للفتن! وكان بعد ذلك إذا سئل يقول: شيخ كبير مفتون أصابتني دعوة سعد. قال عبد الملك بن عمير الراوي عن جابر بن سمرة: فأنا رأيته بعد قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، وإنه ليتعرض للجواري في الطرق فيغمزهن. متفق عليه.

-        وعن عروة بن الزبير أن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل رضي الله عنه خاصمته أروى بنت أوس إلى مروان بن الحكم وادعت أنه أخذ شيئاً من أرضها، فقال سعيد: أنا كنت آخذ من أرضها شيئاً بعد الذي سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم! قال: ماذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من أخذ شبراً من الأرض ظلماً طوقه إلى سبع أرضين" فقال له مروان: لا أسألك بينة بعد هذا، فقال سعيد: اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها، واقتلها في أرضها، قال: فما ماتت حتى ذهب بصرها، وبينما هي تمشي في أرضها إذ وقعت في حفرة فماتت. متفق عليه. وفي رواية لمسلم عن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بمعناه، وأنه رآها تلتمس الجدر تقول: أصابتني دعوة سعيد، وأنها مرت على بئر في الدار التي خاصمته فيها فوقعت فيها فكانت قبرها.

-        وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: لما حضرت أحد دعاني أبي من الليل فقال: ما أراني إلا مقتولاً في أول من يقتل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وإني لا أترك بعدي أعز عليّ منك غير نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنّ عليّ ديناً فاقض واستوص بأخواتك خيراً، فأصبحنا فكان أول قتيل، ودفنت معه آخر في قبره، ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع آخر فاستخرجته بعد ستة أشهر فإذا هو كيوم وضعته غير أذنه فجعلته في قبر على حدة. رواه البخاري.

-        وعن أنس رضي الله عنه أن رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خرجا من عند النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة مظلمة ومعهما مثل المصباحين بين أيديهما، فلما افترقا صار مع كل واحد منهما واحد منهما واحد أتى أهله. رواه البخاري من طرق. وفي بعضها أن الرجلين أسيد بن حضير، وعباد بن بشر، رضي الله عنهما.

-        وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة رهطٍ عيناً، وأمر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه فانطلقوا حتى إذا كانوا بالهداة بين عسفان ومكة، ذكروا لحيّ من هذيل يقال لهم بنو لحيان فنفروا لهم بقريب من مائة رجل رام، فاقتصوا آثارهم، فلما أحس بهم عاصم وأصحابه لجأوا إلى موضع فأحاط بهم القوم، فقالوا: انزلوا فأعطوا بأيديكم ولكم العهد والميثاق ألا نقتل منكم أحداً. فقال عاصم بن ثابت: أيها القوم أما أنا فلا أنزل على ذمة كافر، الهم أخبر عنا نبيك صلى الله عليه وسلم. فرموهم بالنبل فقتلوا عاصماً، ونزل إليهم ثلاثة نفر على العهد والميثاق، منهم خبيب، وزيد بن الدثنة، ورجل آخر، فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم فربطوهم، قال الرجل الثالث: هذا أول الغدر والله لا أصحبكم إنّ لي بهؤلاء أسوة (يريد القتلى) فجروه وعالجوه فأبى أن يصحبهم فقتلوه، وانطلقوا بخبيب زيد بن الدثنة حتى باعوهما بمكة بعد وقعة بدر، فابتاع بنو الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف خبيباً، وكان خبيب هو قتل الحارث يوم بد، فلبث خبيب عندهم أسيراً حتى أجمعوا على قتله، فاستعار من بعض بنات الحارث موسى يستحد بها فأعارته، فدرج بني لها وهي غافلة حتى أتاه فوجدته مجلسه على فخذه والموسى بيده ففزعت فزعة عرفها خبيب. فقال: أتخشين أن أقتله ما كنت لأفعل ذلك. قالت: والله ما رأيت أسيراً خيراً من خبيب، فوالله لقد وجدته يوماً يأكل قطفاً من عنب في يده لموثق بالحديد وما بمكة من ثمرة، وكانت تقول: إنه لرزق رزقه الله خبيباً، فلما خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحل قال لهم خبيب: دعوني أصلي ركعتين، فتركوه فركع ركعتين فقال: والله لولا أن تحسبوا أن ما بي جزع لزدت، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تبق منهم أحداً، وقال:

 

فلست أبالي حين أقتل مسلماً                   على أي جنب كان لله مصرعي

                             وذلك في ذات الإله وإن يشأ                   يبارك على أوصال شلو ممزع

وكان خبيب هو سن لكل مسلم قتل صبراً الصلاة، وأخبر (يعني النبي صلى الله عليه وسلم) أصحابه يوم أصيبوا خبرهم، وبعث ناسñ من قريش إلى عاصم بن ثابت حين حدثوا أنه قتل أن يوءتوا بشيء منه يعرف، وكان قتل رجلاً من عظمائهم، فبعث الله لعاصم مثل الظلة من الدبر فحمته من رسلهم فلم يقدروا أن يقطعوا منه شيئاً. رواه البخاري. قوله "الهداة": موضع. و"الظلة" السحاب. و"الدبر": النخل. وقوله "اقتلهم بدداً" بكسر الباء وفتحها، فمن كسر قال: هو جمع بدة بكسر الباء وهي: النصيب ومعناه: متفرقين في القتل واحداً بعد واحد، من التبديد.

وفي الباب أحاديث كثيرة صحيحة سبقت في مواضعها من هذا الكتاب. منها حديث الغلام[1] الذي كان يأتي الراهب والساحر. ومنها حديث جريج[2] وحديث أصحاب الغار[3] الذين أطبقت عليهم الصخرة، وحديث الرجل الذي سمع صوتاً في السحاب[4] يقول: اسق حديقة فلان، وغير ذلك. والدلائل في الباب كثيرة مشهورة، وبالله التوفيق.

-        وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ما سمعت عمر رضي الله عنه يقول لشيء قط إني لأظنه كذا إلا كان كما يظن. رواه البخاري.

هذا ما ذكره الشيخ النووي في كتابه رياض الصالحين عن كرامات الأولياء وفضلهم وبه تعرف وجود الكرامة ووجوب الإيمان الشرعي بها. وفي كتب التوحيد عادة تبحث قضية الكرامات والخوارق للعادات بشكل عام فيذكرون هناك المعجزة والإرهاص والكرامة والإهانة والاستدراج ومن المعلوم أن السحر لا يدخل في باب الخوارق لأنه جزء من عالم الأسباب والكرامة على نوعين: منها ما هو خرق لعادة ومنها ما كان على مقتضى عالم الأسباب ولكنه من مظاهر التوفيق الإلهي ويسميه العلماء / معونة / والتفريق بين أنواع الخوارق للعادات ومعرفة كل منها كل ذلك من مباحث علم التوحيد فلتراجع هناك والذي نحب أن نقف عنده هنا هو: أن الكرامة ثابتة شرعاً وأن هذا يكاد يكون من المعلوم من الدين بالضرورة ولكن التمييز بينها وبين أنواع الخوارق الأخرى دقيق جداً كما أن التمييز بين الخوارق وبين السحر أصلاً يحتاج إلى دقة كثيرة. وكل ذلك ليس محل بحثنا هنا وإنما محل بحثنا هنا نقطتان: النقطة الأولى أن الكرامة وقعت وتقع في دوائر التصوف وأن أعداء التصوف بشكل عام يحاولون أن ينكروا أن تكون هناك كرامة أصلاً تقع للمنتسبين للتصوف بل هم يحاولون أن يعطوا هذه الكرامات أسماء أخرى وهذا خطأ وغلو. لقد ذكرنا من قبل أن ابن تيمية رحمه الله ذكر أن كرامات الشيخ عبد القادر الجيلاني منقولة تواتراً بل كان الشيخ ابن تيمية لا يذكر الشيخ الجيلاني إلا ويعقب على ذلك بقوله / قدس الله سره / فإنكار أصل الكرامة لطبقات الصوفية إنكار غير علمي وليس في محله لا تؤثر فيهم ومن كونهم يضربون أنفسهم بالرصاص أو بالسيوف ولا يؤثر ذلك فيهم وهذه قضية منتشرة ومشتهرة محسة وقد تتبعها الكثير من المنكرين فرجعوا عن الإنكار والواقع المشاهد أن ما يحدث لهؤلاء لا يمكن أن يكون سحراً لأن السحر جزء من عالم الأسباب وههنا لا تجد لعالم الأسباب محلاً كما أنه لا يمكن أن يكون من باب الرياضات الروحية لأن هؤلاء قد تحدث للواحد منهم هذه الخوارق من دون رياضة أصلاً بل بمجرد أن يأخذ البيعة عن الشيخ بل أحياناً بدون بيعة. وقد حدثني مرة نصراني عن حادثة وقعت له شخصياً وهي حادثة مشهورة معلومة جمعني الله بصاحبها شخصياً بعد أن بلغتني الحادثة من غيره وحدثني كيف أن حضر حلقة ذكر فضربه أحد الذاكرين بالشيش في ظهره فخرج الشيش من صدره حتى قبض عليه بيده ثم سحب الشيش منه ولم يكن لذلك أثراً أو ضرر. إن هذا الشيء الذي يجري في طبقات أبناء الطريقة الرفاعية ويستمر فيهم هو من أعظم فضل الله على هذه الأمة إذ من رأى ذلك تقوم عليه الحجة بشكل واضح على معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء. إن من يرى فرداً من أفراد الأمة الإسلامية يمسك النار ولا تؤثر فيه كيف يستغرب أن يقذف ابراهيم في النار ولا تؤثر فيه؟ وإن من يرى فرداً من أفراد أمة محمد عليه الصلاة والسلام يخرج السيف من ظهره بعد أن يضرب فيه في صدره ثم يسحب السيف ولا أثر ولا ضرر هل يستغرب مثل هذا حادثة شق صدره عليه الصلاة والسلام. إن هذا الموضوع مهم جداً ولا يجوز أن نقف منه موقفاً ظالماً ومحله في إقامة الحجة في دين الله على مثل هذه الشاكلة، إن الحجة الرئيسية لمنكري هذا الموضوع هي أن هذه الخوارق تظهر على يد فساق من هؤلاء كما تظهر على يد صالحين وهذا صحيح. والتعليل لذلك هو أن الكرامة ليست لهؤلاء بل هي للشيخ الأول الذي أكرمه الله عز وجل بهذه الكرامة وجعلها مستمرة في أتباعه من باب المعجزة لرسولنا عليه السلام فهي كرامة للشيخ الذي هو الشيخ أحمد الرفاعي رحمه الله وقد تكون استدراجاً في حق بعض أتباعه الفساق وإني لأطمع أن يوجد من يتتبع هذا الأمر من طلاب العلم النشيطين ويكتب في هذه الطريقة وشيخها وأتباعه من يوم وجودها حتى عصرنا وأن يتتبع ما يجري عند هؤلاء وأن يأخذ شهادات من شهده من أصناف شتى ولقد استطردت في هذا الموضوع لأنه ذروة ما ينصب عليه الإنكار وعلى كل حال فتسجيلي هنا لهذا الموضوع إنما هو لفت نظر وليس تحقيقاً في كل حيثياته وخاصة حول متى يجوز أن يملس الإنسان النار أو يضرب نفسه بمؤذ ومتى لا يجوز. مثل هذه الأمور لها أجوبتها الفقهية ورأيي فيها هو رأي الفقهاء كائناً ما كان وأهم شيء عندي وهو الذي سجلت من أجله هذه النقطة هو ألا نقف من الكرامات أصلاً موقف المنكر وألا نتعامل مع أهلها بحساسية بل أن نعطي للتحقيق مداه هذا هو الأصل فمن نقلت لنا كراماته نقلاً صحيحاً ولم يكن هناك مأخذ شرعي على صاحبها فما هو المانع أن نعتبر ذلك كرامة من الله عز وجل ولقد كان لبعض شيوخنا من الكرامات ما هو الظاهر والواضح وأكرر أنني أتمنى أن يتابع موضوع الكرامات مع غيره إلى نهاياته وأنني أعتبر الخدمة في هذا الموضوع من أعظم الخدمات التي تقدم لدين الله في هذا العصر، إذ أن الكرامات امتداداً للمعجزات وهي من مظاهر حجج الله على خلقه بأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم.

النقطة الثانية: يقول ابن عطاء في حكمه: "ليس كل من  ثبت تخصيصه كمل تخليصه". وقال: "ربما رزق الكرامة من لم تكمل له الاستقامة". قدمنا بهاتين العبارتين لهذه النقطة للتدليل عليها من كلام الصوفية أنفسهم: إن بعض الصوفية يعتبرون الكرامة دليل الولاية ويعتبرون الولاية مظنة العصمة فمتى ظهرت كرامة على يد شيخ اعتبروا ذلك علامة على العصمة وإن أعطوا العصمة هنا اسم الحفظ ثم بنوا على ذلك وجوب الالتزام بالشيخ ووجوب استشارته في كل شيء ووجوب الالتزام بكل ما قاله ويأخذون عنه الفتوى والسلوك في كل أمر وهو موضوع يترتب عليه ما يترتب من فساد أحياناً يقول الإمام مالك: إن من شيوخي من استسقي به ولا أقبل حديثه... تأمل هذه العبارة العظيمة لتدرك ما نريده. إن أولياء هذه الأمة كثيرون وإنهم بفضل الله ليتكاثرون فإذا أعطت كل مجموعة من المسلمين شيخها صفة الإمامة المطلقة المحوطة بهالة الولاية فكم سيترتب على ذلك من انقسامات وتشتتات وأخطاء. إن من ظهرت كرامته وكان مستقيماً فتلك مظنة ولايته وهو أهل لأن يتبرك به وتطلب دعواته ولكن إن لم يكن فقيهاً لا تأخذ الفتوى عنه. وإن لم يكن خبيراً باصطلاحات العلوم لا تأخذ العلوم عنه وإذا لم يكن ذا وعي على ما يجري حولنا فلا نسلمه قيادتنا في أمور السياسة فالكرامة شيء وأن يكون الإنسان دور الإمامة شيء آخر. هذا موسى والخضر عليهما الصلاة والسلام: لقد أعطي الخضر بعض الميزات ولكن من الأفضل هو أو موسى؟ إنه موسى عليه السلام ومن الذي أعطاه الله منصب الإمامة والقدرة؟ إنه موسى عليه السلام. إن الفهم العميق للأمور ووضع كل شيء في محله ومعرفة ما نأخذ من كل إنسان وما هو المحل الذي تضع فيه كل إنسان في جسم هذه الأمة الإسلامية الكريم. إن هذا من أهم ملامح المسلم الواعي الحكيم.. إذا استوعبت كل ما مر في هذا الباب من الكلام عن الكشف والرؤى والإلهام والكرامات فقد آن لك أن تستوعب بدقة كلام الأستاذ البنا رحمه الله حين قال في رسالة التعاليم عند بند الفهم:

4-               وللإيمان الصادق والعبادة الصحيحة والمجاهدة نور وحلاوة ويقذفها الله في قلب من يشاء من عباده ولكن الإلهام والخواطر والكشف والرؤى ليست من أدلة الأحكام الشرعية ولا تعتبر إلا بشرط عدم اصطدامها بأحكام الدين ونصوصه.

5-               والتمائم والرقى والودع والرمل والمعرفة والكهانة وادعاء معرفة الغيب وكل ما كان من هذا الباب منكر تجب محاربته إلا ما كان آية من قرآن أو رقية مأثورة.

6-               وكل أحد يؤخذ من كلامه ويترك إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم وكل ما جاء عن السلف رضي الله عنهم موافقاً للكتاب والسنة قبلناه وإلا فكتاب الله وسنة رسوله أولى بالاتباع ولكننا لا نعرض للأشخاص فيما اختلف فيه بطعن أو تجريح ونكلهم إلى نياتهم وقد أفضوا إلى ما قدموا.

7-               ومحبة الصالحين واحترامهم والثناء عليهم بما عرف من طيب أعمالهم قربة إلى الله تبارك وتعالى والأولياء هم المذكورون في قوله تعالى: {الذين آمنوا وكانوا يتقون} [يونس: 63]. والكرامة ثابتة لهم بشرائطها الشرعية مع اعتقاد أنهم رضوان الله عليهم لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً في حياتهم أو بعد مماتهم فضلاً أن أن يهبوا شيئاً من ذلك لغيرهم. والجزء الأخير من الفقرة الأخيرة من كلامه عليه الرحمة لنا عودة عليه فإلى باب آخر عن الشيخ والبيعة لما لأهمية ذلك في قضية التصوف ولكثرة الأغلاط التي تحيط بهذا الموضوع.

 



[1]  انظر الحديث رقم 30 ص 17.

[2]  انظر الحديث رقم 259 ص 88.

[3]  انظر الحديث رقم 12 ص 6.

[4]  انظر الحديث رقم 560 صفحة 169.

|السابق| [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

تربيتنا الروحية 

فصول في الأمرة والأمير 

هذه تجربتي وهذه شهادتي 

الإجابات 

إحياء الربانية 

الرسول صلى الله عليه وسلم 

غذاء العبودية 

قوانين البيت المسلم 

موسوعة الكتب الحركية Book Select Book Select Book Select


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca