الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: تربيتنا الروحية
المؤلف: سعيد حوى
التصنيف: أسرة
 

محتويات الكتاب

الباب الخامس عشر - قضية الشيخ والبيعة

الباب الخامس عشر

قضية الشيخ والبيعة

 

قال تعالى: {ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً}. دلت هذه الآية على أن الغاية في القدرة على الهداية هو الولي المرشد إذ الآية تبين أن الولي المرشد نفسه لا يخرق مراد الله إذا أراد الله اضلال انسان ومن ثم نعلم أن الدعوة إلى الله عز وجل تكون أكمل ما تكون إذا وجد الولي المرشد وعندما يضع الانسان يده بيد الولي المرشد يكون ذلك أجود ما يكون في باب الهداية إلى الله وإلى طريقه وإذا كان الرسل عليهم السلام في الأصل هم الهداة الحقيقيين إلى الله عز وجل فالأولياء المرشدون هم الوراث الكاملون للأنبياء في باب الدعوة إلى الله عز وجل. ومن هذا المعنى الذي ذكرناه ندرك أهمية وجود الولي المرشد لصلاح الدعوة إلى الله عز وجل وإذ أحاط بهذا الأمر كثير من الخطأ والغلط والدعاوى الكاذبة والأوهام المضللة فلا بد أن نذكر الكثير الكثير حوله وسنعرض معاني متناثرة في فقرات متوالية يضمها أن لها صلة بعنوان الفصل كل منها يوضح جانباً من جوانب هذا الموضوع.

1-               قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} التوبة. يستشهد كثير من الصوفية بهذه الآية على أن الله عز وجل أمر بالكون مع الصادقين ويعتبرون من حيث المبدأ أنهم هم الصادقون والذي نقوله إن الله عز وجل قد حدد صفات الصادقين تحديداً دقيقاً فمن اتصف بهذه الصفات فهو الصادق ومن لم يتصف بذلك فليس كذلك فلنر هذه الصفات. قال تعالى: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون}. وقال تعالى: {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون} [البقرة: 178]. وقال تعالى: {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً} [الأحزاب: 24]. وقال تعالى: {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من ربهم ورضواناً وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون} [الحشر: 09]. فالصادقون مؤمنون، موقنون مصلون مزكون متقون صابرون وافون بالعهود منتظرون أن يقتلوا في سبيل الله فالشيخ المربي ينبغي أن يكون متصفاً بهذه الصفات جميعاً ويربي عليها وإلا فلا يصلح للكون معه ولا يكون ممن يستأهل مقام الإرشاد.

2-               قال تعالى: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة} [يونس: 63-64]. هذا تعريف لمجرد الولي. وهو من اجتمعت له صفة الإرشاد فوق صفة الولي فمن لم يكن مؤمناً تقياً كيف يسمى ولياً فضلاً عن أن يسمى ولياً مرشداً ومن ثم فينبغي أن يلاحظ الكثيرون هذا أو الولاية جزء المشيخة وأو الولاية ركناها إيمان وتقوى ولا إيمان ولا تقوى بلا التزام بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم...

من الفقرتين السابقتين ندرك بعض أمهات الصفات التي ينبغي أن يتصف بها الشيخ وإذا كان الشيخ مرشداً فلا شك أن إرشاده ينبغي أن يكون ضمن توجيهات الآية القرآنية {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} [التوبة: 124]. من هذه الآية نفهم أن الإرشاد يقتضي فقهاً في دين الله ثم انذاراً فمن لم يكن فقيهاً لا يصلح لمقام الإنذار ومن لم يقم بمهمة الانذار لا يؤدي حق الله في فقهه وذلك مظهر من مظاهر الوراثة الكاملة لرسل الله عليهم السلام {رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} [النساء: 165]. والتفقه في دين الله يقتضي فقهاً في الكتاب والسنة وفقهاً في الإيمان والإسلام والإحسان والتقوى والشكر ومن لم يجتمع له الفقه في هذا كله وتفصيلاته ما يلزم له لا يكون فقيهاً في دين الله عز وجل ومن لم يحسن التربية على هذا كله لا يصلح لمقام الإرشاد ومن لا يحسن تعليم هذا كله وغيره لا يصلح لمقام الإرشاد الكامل أي مقام الشيخ الذي يخدم خدمة كاملة في موضوع السير إلى الله عز وجل.

3-               قال تعالى: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} [النحل: 126]. هذه الآية تحدد بعضاً من واجبات النبوة وبالتالي بعضاً من صفات الوارث أي الشيخ في الاصطلاح الصوفي أي الولي المرشد في الاصطلاح القرآني فلا بد للشيخ أن يكون حكيماً يدعو إلى طريق الله بالحكمة. والحكمة معنى زائد على مجرد العلم. قال تعالى: {ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً} [البقرة: 270]. فالحكمة عطاء من الله عز وجل فقد يكون الانسان عالماً بالكتاب والسنة ولكن لا يقول الكلمة المناسبة في محلها ولا يتصرف التصرف المناسب، إن الحكيم هو الذي يقول الكلمة المناسبة ويتصرف التصرف المناسب ضمن حدود الشريعة ومن ذلك قضية الدعوة. والحكمة عطاء رباني وتحتاج إلى توفيق رباني في الأنفاس والحركات وكما أن الشيخ لا بد أن يكون حكيماً، لا بد أن يكون قادراً على الموعظة الحسنة وما أكثر الذين يعظون ولا يحسنون وما أكثر الذين لا يعظون أصلاً كما أن الشيخ ينبغي أن يكون قادراً على النقاش وإقامة الحجة لا بالطريقة الحسنة فقط بل بالطريقة الحسنى وذلك كله من أدب الشيخ وينبغي أن يكون جزءاً من تكوينه ولا يتم هذا للشيخ إلا بعلم وتربية ومجالسة وذكر كثير. قال تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً} [الأحزاب:22]. إن رجاء الله واليوم الآخر والذكر الكثير يوصلان إلى التأسي الكامل برسول الله صلى الله عليه وسلم ويأتي تبعاً لذلك الكمال كله.

4-               قال تعالى: {كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون} [البقرة: 152]. فالوارث أي الشيخ ينبغي أن يرث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا فيذكر الناس بآيات الله في الكون والتاريخ ويربي النفس البشرية ويطهرها من عيوبها ويخلصها من أمراضها ويعلم الناس كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم إذ هي عين الحكمة ويعلم الناس كل ما يلزمهم في أمر دينهم من فقه إلى غيره وهذا لا يتأتى للشيخ إذ لم يكن عالماً في الكتاب والسنة قادراً على تربية النفس البشرية محيطاً بعلوم الإسلام والثقافة الإسلامية عارفاً بعصره وبالتاريخ. وههنا يطرح الناس فكرة هي أنه لا يشترط بالشيخ ذلك لأن كثيراً من كبار الأولياء تتلمذ عليم كبار العلماء.

نقول إننا لا ننفي أن يكون ولياً قادراً على التربية والهداية مع قصور باع في علوم الكتاب والسنة والفقه وغير ذلك. ولا ننكر أن يستطيع مثل هذا أن يفيد كبار العلماء في هذا الجانب ولكن هذا شيء والوارث الكامل شيء آخر، والشيخ الكامل والمرشد الكامل هو الذي نتحدث عنه والمشكلة الكبيرة أن كثيرين يعتبرون شيوخهم هم الوراث الكاملين مع أنهم لم يرثوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بعض الأمر والشيوخ أنفسهم يسكتون عن غلو تلاميذهم بهم بحجة أن المريد يستفيد بقدر ثقته بالشيخ إلا أن هذا يترك آثاراً سيئة في المجتمع الإسلامي إذ لا يعرف مريدُ أمثال هؤلاء الشيوخ من الذين يشكلون القيادات الحقيقية للمسلمين. ولقصور شيوخهم في باب العلم فإنهم يفتونهم الفتاوى القاصرة في الشؤون العامة أو الخاصة وفي ذلك ما فيه من خلل...

5-               روى الإمام مسلم عن حنظلة بن الربيع الأسيدي أحد كتاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: لقيني أبو بكر فقال كيف أنت يا حنظلة؟ قلت نافق حنظلة. قال: سبحان الله ما تقول؟ قلت: نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرنا بالنار والجنة كأنا رأي العين. وإذا خرجنا من عنده عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات ونسينا كثيراً. قال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل ذلك. فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: نافق حنظلة يا رسول الله. فقال وما ذاك؟ قلت نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة كأنا رأي عين فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات ونسينا كثيراً. فقال صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم ولكن يا حنظلة ساعة وساعة ثلاث مرات". من هذا الحديث نفهم أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم حالاً يترقى به أصحابه حتى إنه ليعدل الذكر في كون ملازم الجلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يصل إلى ما يصل إليه الذاكر الدائم إلى حالة يمكن أن تصافحه بها الملائكة. وقد ذكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في روايات صحيحة عنهم كيف أنهم أنكروا قلوبهم بعد أن فرغوا من دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم. كل هذا يدل على أن الأحوال القلبية كانت محسوسة من خلال مجالسة رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجوده بين الصحابة وأن من مظاهر هذا الحال أن يستشعر الصحابي وكأنه يرى الجنة والنار رأي عين. من هذا كله ندرك أن الشيخ الوارث ما لم يكن عنده شيء من هذا الحال فإنه لا يكون وارثاً نبوياً كاملاً، ومن خلال الواقع نجد أن الذين ليس لهم سير صوفي لا يستطيعون أن ينقلوا هذه الاحساسات إلى غيرهم كما أنهم هم أنفسهم لا يستشعرون بها. ومن ثم فإننا نقول: إن كل طالب علم ينبغي أن يتحقق بهذه المعاني بسلوك الطريقة الموصلة إلى ذلك وإننا لنرجو أن يكون هذا الكتاب موضحاً لكل حيثيات هذا السلوك.

من خلال النصوص التي ذكرناها ندرك بعض صفات الولي المرشد أو الوارث الكامل أو المرشد الكامل أو الشيخ. فهو ولي مرشد حكيم داعية إلى الله معلم لآيات الله معلم للكتاب والسنة قادر على تزكية النفس، قادر على نقل القلب البشري إلى آفاق الاستشعار لكثير من أمور الغيب قادراً على النقل إلى مقامات الإسلام، وهذا كله يقتضي أن يتجمع فيه علم معين وعمل معين وحال معين ليكون معلماً مربياً من خلال القدوة والتعليم بآن واحد وعليه أن يتحقق بصفات الصادقين التي من جملتها الجهاد بالنفس والمال وقد رأينا جملتنا من قبل. هذه قضايا لها حكم البديهيات لتعطي إنساناً صفة الوارث الكامل لظهورها في النصوص ووضوحها. والآن لنر بعض ما يقوله الصوفية أنفسهم في قضية الشيخ ننقلها مع شيء من التعليق مستأنسين بشرح بعض الشارحين:

"عار لمن لم يرضى العلوما" أي لم يعانها ويمهر فيها حتى تصير طوع يده ليكون على بينة من ربه. "ويعلم الموجود والمعدوما" أي يعلم الوجود الواجب والوجود العارض والعدم الواجب والعدم العارض. "ولم يكن في بدئه فقيهاً" أي ينبغي أن يكون الفقه هو السابق على كل شيء إذ لا ينبغي لإنسان أن يقدم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه. "وسائر الأحكام ما يدريها" أي لا يعرف حكم الله في الأمور التي تواجهه أو تصادفه أو يمكن أن يبتلي فيها. "والحد والأصول واللسانا" المراد بالحد علم المنطق. وبالأصول علم أصول الفقه وباللسان علوم اللغة العربية من نحو وصرف وبلاغة وغير ذلك. "والذكر والحديث والبرهانا" المراد بالذكر القرآن وبالحديث السنة وبالبرهان علم العقائد التوحيدية "ولم يكن أحكم علم الحال" المراد بعلم الحال علم التصوف أي ينبغي على الشيخ كذلك أن يتقن علم الحال والمقام بحيث يكون سلك طريق الأحوال ثم سكن في المقامات "ولا درى مقاصد الرجال": أي لا يستطيع أن يفهم عبارات العلماء في تصريحهم وتوضيحهم وإشارتهم ورموزهم وألغازهم ومقاصدهم في ذلك كله". "ولم ينزه صفة المعبود" بأن يعرف الله حق المعرفة منزهاً إياه عن الحدوث أو الحلول أو الاتحاد أو المشابهة أو المشاكلة أو غير ذلك مما لا يجوز عليه جل جلاله. "ولا درى مراتب الوجود" أي من وجود عارض ووجود واجب ووجود مشاهد ووجود مغيب "والنفس والعقل معاً والروحا" أي لا يعلم على ماذا تطلق كلمة النفس وعلى ماذا تطلق كلمة العقل وعلى ماذا تطلق كلمة الروح ومتى يكون المحل واحداً ومتى يكون المراد مختلفاً وليس المراد معرفة الكنه كما مر معنا من قبل "ويدري منه صدره المشروحا" أي ولم يدر أيضاً معنى الصدر المشروح بالإسلام وما علامة شرحه من تجاف عن دار الغرور وإنابة إلى دار الخلود وغير ذلك "وعلم سر النسخ والمنسوخ" أي ولم يعرف قضية الناسخ والمنسوخ في الكتاب والسنة لأنه بدون هذا العلم يضل ويضل، ثم قال الشيخ "أن يتعاطى رتبة الشيوخ" أي من لم يجتمع له كل ما مر فعار عليه أن يتصدر للمشيخة. وطبعاً المراد بها هنا الإرشاد الكامل أما ما سوى ذلك من نصيحة ومذاكرة وتعليم وإفادة بالمقال أو بالحال فهذا بابه مفتوح لأفراد الأمة. ففي الحديث: "بلغوا عني ولو آية".

وقال صاحب المباحث في مكان آخر من قصيدته في شأن الشيخ ما سنذكره مع شيء من التعليق الخفيف عليه "وإنما القوم مسافرونا" السفر عنا عبارة عن الانتقال من مقام إلى مقام كالانتقال من مقام الإسلام إلى مقام الإيمان ثم إلى مقام الإحسان ثم إلى مقام التقوى ثم إلى مقام الشكر. ومن رؤية أفعال الله عز وجل إلى استشعار صفاته وأسمائه ومن عالم الحس إلى عالم المعنى ومن أمراض النفس إلى صحتها وكل ذلك قد مر من قبل "لحضرة الحق وظاعنونا" أي مسافرون إلى الله عز وجل منتقلون في سيرهم إليه من مقام إلى مقام. من مقام الغفلة إلى مقام اليقظة ومن مقام اليقظة إلى مقام الحضور إلى غير ذلك. "فافتقروا فيه إلى دليل" أي فافتقروا في سفرهم هذا إلى دليل يدلهم على الطريق وهو الشيخ الذي من صفاته ما سيأتي بعد هذا الشطر "ذي بصر بالسير والمقيل" أي لا بد أن يكون الشيخ بصيراً بأحوال السير ومنازله فيسيّöر كل مريد بحسب طاقته وجهده ويراعي احتياجات السالك إلى الراحة "قد سلك الطريق ثم عادا" أي لا بد أن يكون الشيخ قد سلك طريق السلوك من بدايته إلى نهايته ثم عاد بعد أن عرف ليدل غيره ولذلك قال "ليخبر القوم بما استفادا" أي ليخبر المريدين بما استفاده من علوم الأذواق وأنوار الشهود ولذلك قالوا: لا بد للشيخ أن يكون له علم صحيح وذوق صريح وهمة عالية وحالة مرضية "وجاب منها الوهد والآكاما" الوهد: المكان المنخفض. والآكام جمع أكمة وهي المكان المرتفع، وجاب بمعنى نقب وقطع وههنا بمعنى: دخل وسلك، والمراد أن الشيخ ينبغي أن يكون ذاق طعم الخمول والذلة على المؤمنين والعزلة الهادفة وأمثال ذلك مما هي بمثابة المنخفضات في الطريق إلى الله، كما ذاق طعم المشقات في الطريق من أمر بمعروف ونهي عن منكر وجهاد ومجاهدة "وراض منها الرمل والرغاما" راض المكان اختبره. والرغام التراب. والمراد أن الشيخ ينبغي أن يكون عارفاً بالطريق لينها الذي يشبه الرمل وصعبها الذي يشبه التراب الصلب وبالتالي فإنه يسير كل مريد على حسب همته وعلى حسب الطريقة المناسبة له من طول وقصر وصعوبة وسهولة "وجال فيها رائحاً وغادياً" أي يشترط في الشيخ أن يكون ماهراً في الطريق سار فيه صباح مساء إشارة إلى علم البدايات والنهايات "وسار كل فدفد ووادياً". الفدفد: الوضع الذي فيه غلظ وارتفاع. والوادي: المسيل. وأشار بالفدفد والوادي إلى ما يلقاه المريد من الامتحانات والتسهيلات والتوفيقات والعطاءات "وعلم المخوف والمأمونا" أي يعلم الأمور التي يخاف على المريد منها فيأمره بالبعد عنها كالركون إلى التعظيم والتبجيل والدعة والكسل والدنيا ويعلم الأمور التي ينال بها المريد الرضى من الله عز وجل حتى يكون من الذين لا خوف عليم ولا هم يحزنون من إقامة الفرائض والإكثار من النوافل ومن صحبة الصالحين وموالاة أهل الحق "وعرف الأنهار والعيونا". الأنهار هنا علوم الشريعة. والعيون هنا منابع الفطرة فالشيخ يعرف علوم الشريعة ويعرف كيف تتفجر ينابيع الفطرة وكيف يفجرها "قد قطع البيداء والمفاوز" البيداء: الصحراء. والمفاوز: جمع مفازة وهي الصحراء الشاسعة الأطراف. والمراد بالبيداء هنا أرض النفس حال شهوانيتها ورعوناتها. والمراد بالمفاوز المسافات البعيدة عن رضوان الله عز وجل: "وارتاد كل حابس وحاجز". الارتياد هو التقدم أمام القوم لاختبار الأمكنة وما فيها والحابس هو الذي يحبسك عن بلوغ المراد. والحاجز هو الذي يحجز هو الذي يحجز بينك وبين مرادك فلا بد للشيخ أن يعرف ما يحبس عن السير من وقوف عند مظهر من مظاهر الكون مثلاً وأن يعرف ما يحجز من الوصول إلى الله من ملل من المجاهدة وركون إلى الراحة وغير ذلك "وحل في منازل المناهل". المنهل هو الموضع الذي ينزله الركب بشرط أن يكون فيه ماء والمعنى أنه يشترط في الشيخ أن يكون حل في منازل السائرين من يقين وورع وزهد وخوف ورجاء وتوكل وصبر ورضى وتسليم ومشاهدة وتزكية وفناء عما سوى الله وبقاء في الله "وكل شرب كان منه ناهل" الناهل: الشارب. أي يشترط في الشيخ أن يكون قد شرب من مياه هذه المقامات بأن ذاقها وتحقق بها "فعندما قام بهذا الخطب". الخطب: هو الشأن الجسيم. أي عندما تحقق بهذه الأمور كلها التي مرت معنا من بداية هذه الأبيات "قالوا جميعاً أنت شيخ الركب". قال له اخوانه وشيوخه وعارفوه لقد وصلت إلى رتبة المشيخة وآن لك أن تجاز بالتسليك إلى ملك الملوك.. "والسفر المذكور بالقلوب" أي السفر الذي مر معنا فيما مضى هو سفر القلوب إلى حضرة علام الغيوب وهو بالتفصيل من أربعة مواطن إلى أربعة مواطن: من موطن الذنب والغفلة إلى موطن التوبة واليقظة، ومن موطن الحرص على الدنيا إلى موطن الزهد فيها وطلب الآخرة، ومن موطن مساوئ النفوس وعيوب القلوب إلى موطن التخلية منها والتحلية بأضدادها. ومن شهود الكون إلى شهود رب الكون "اعبد الله كأنك تراه". ثم يكون بعد ذلك سير "والشيخ بمنزلته الطبيب". فكما أن الشيخ بمثابة شيخ الركب في معرفة الطريق فهو أيضاً بمثابة الطبيب للقلوب "يعلم منها الغث والسمينا" الغث: اللحم الذي ليس سميناً. والمراد بالغث هنا القلب الضعيف من العلم والعمل والحال والضعيف اليقين والخافت النور والمراد بالسمين القلب المليء بالعلم والعمل والنور والحال والمعرفة فالشيخ ينبغي أن يكون بصيراً بهذا وهذا ويسير بهذا وهذا على مقتضى ما يناسب كلاً منهما "ويدرك الصلب معاً واللينا" الصلب: الشديد اليبوسة. واللين: ما قابل ذلك. والمراد بالقلب هنا القلب القاسي من كثرة الذنوب والغفلة أو القلب الشديد على أعداد الله والمراد باللين هنا: القلب الخاشع أو القلب الرحيم بخلق الله. فالشيخ يعرف طبيعة هذا وهذا ويسير كل انسان بما هو مؤهل له أو بما بناسب حاله نحو الأرقى في حقه بما يحقق الحكمة التي جعل الله عز وجل بها قلوب عباده متفاوتة "قد أحكم التشريح والمفاصل". المراد بالتشريح هنا المعرفة بعلاج الأمراض القلبية والنفسية والروحية والمراد بالمفاصل هنا معرفة علاج الجوارح. المراد أن الشيخ يعرف واجبات القلب وواجبات الجسد ويعرف كيف يداوي انحراف القلب وانحراف الجسد "وصار علم الطب فيه حاصل". أي حصل أمر الطب الديني كله حتى أصبح علم الطب كله فيه أي عنده فهو قادر على أن يعالج كل حالة تواجهه على أي مستوى في قلب الإنسان أو جسده ليكون على مقتضى الشرع. وفي محل هذا الإنسان مع غيره من المسلمين، وفي موقف المسلمين من غيرهم بالفتوى والإرشاد والنصيحة والتربية والتأديب والجهاد وغير ذلك "وكان عشاباً وصيدلاني" العشاب: هو الذي يعرف أعيان الأعشاب ومنافعها وخواصها. والصيدلاني هو الذي يعرف أنواع الأدوية والعقاقير. والمراد أن الشيخ كما أنه طبيب يصف الداء ويصف الدواء فإنه في الوقت نفسه يعرف الأدوية وخواصها ويعرف كيف يركبها فهو طبيب وصيدلي بآن واحد في قضايا أمراض القلوب. "قدحاً وكحالاً ومارستاني". القدح في اصطلاح الأطباء قديماً: هو جراحة العيون وجراح العيون قديماً يسمى القداح والكحال هو الذي يعرف أدوية العين ويعالجها بالكحل والمارستاني هو المدير العام للمستشفى العام للأمراض المتعددة. والمراد أن الشيخ ينبغي أن يكون خبيراً بجراحة عين البصيرة ومداواتها عارفاً بمجموع الأمراض قادراً على مداواة أصحابها جميعاً "أمهر في الأعراض والأخلاط". الأعراض ما يطرأ على الجسم من حالات. والأخلاط ما اجتمع في المعدة من العلل الناشئة عن اختلاط الأغذية المختلفة "من أسقلا جالينوس أو بقراط". جالينوس وبقراط طبيبان. والأسقل كما يبدو كتابهما الطبي ومراد المؤلف أن الشيخ ينبغي أن يكون أمهر في علم القلوب ومداواتها من هذين الطبيبين في تطبيب الأجساد، ومراده بالأعراض ما يعرض للمريد من القواطع والشواغل كميله للرئاسة والجاه وتقدمه للتصدر في شأن قبل الكمال فيه وأمثال ذلك وأراد بالأخلاط الخواطر الرديئة والمقاصد الدنيئة التي يمكن أن تشوش حال بعض المريدين "ويعلم البسيط والمركبا". البسيط: هو ها هنا القلب غير المعقد والمركب هنا هو القلب المعقد أو البسيط هو ما كان أقرب إلى الفطرة. والمركب هو الذي خالط الفطرة فيه ما عكرها فالشيخ ينبغي أن يكون عارفاً بهذه وهذا وما يصلح لكل، وكيف يسيّر كلاً من أصحاب هذين القلبين "وما بدا منها عليه واختبا". بعض أخلاق القلوب تظهر بشكل واضح في سلوك الإنسان وبالتالي يسهل على الانسان اكتشافها وبعض قضايا القلوب تكون غامضة وتحتاج إلى فراسة دقيقة لإدراكها والشيخ ينبغي أن يكون ذا بصيرة وفراسة يدرك فيها حال مريده الظاهر والخفي "والطبع والمزاج والتركيبا". الطبع ما جبل عليه الإنسان من خوف أو شجاعة أو كرم أو بخل والمزاج هنا التركيب النفسي للإنسان من كونه بارد الطبع أو حاره، أو حاد المزاج أو هادئه. والتركيب هنا اختلاط الشيء بغيره كاختلاط الأصيل بالدخيل والعليل بالسليم. فالشيخ ينبغي أن يكون عارفاً بالطباع والسجايا والأمزجة والاختلاطات النفسية والقلبية وعلى ضوء هذه المعرفة يسير أصحابها بما يصلحهم ويقربهم إلى الله بما يحقق الحكمة على ضوء الشريعة وكما ينبغي أن يكون عارفاً ذلك كله ينبغي أن يعلم "والكون والتحليل والترطيبا"، المراد بالكون هنا واقع الإنسان من صحة أو مرض والمراد بالتحليل هنا تذويب ما تعقد في قلب الإنسان من علل والمراد بالترطيب هنا المعرفة بطرق تليين ما صلب ويبس من القلوب والمعنى أن الشيخ ينبغي أن يكون ماهراً بأحوال القلوب عارفاً بعللها عالماً بعلاجها مهما كان شأنها وواقعها. فالأمراض القلبية بارشاداته تتحلل وجفوة القلوب بمجالسته ومذاكرته تزول  "فعندما صلح له التحصيل". أي بعدما حصل هذه المقامات التي مرت معنا كلها على التمام والكمال "يممه السقيم والعليل" أي قصده المرضى على اختلاف أنواع أمراضهم "فكان يبريهم من الأمراض" أي يشفيهم بإذن الله من الأمراض القلبية والنفسية مما مر معنا بعضها "والساخط القلب يعود راضي". أي من كان قلبه ساخطاً أصبح بعد الشفاء راضياً. فمن علامات الشفاء الرضا عن الله في كل حال ولذلك كان من دعاء المسلم (والحمد لله على كل حال ونعوذ بالله من حال أهل النار).

 

          وليس هذا طب جالينوس              وإنما يختص بالنفوس

 

هذا تنبيه من المؤلف على أن الطب المذكور في الأبيات ليس هو طب الأبدان بل طب النفوس لتستقيم على أمر الله وطب القلوب لتصح من الأمراض والعيوب فتنخرط في سلك من أتى الله بقلب سليم

 

          فهكذا الشيوخ قدماً كانوا              يا حسرتي إذ سلفوا وبانوا

 

كأن الشيخ يريد أن يقول إنه لم يبق من هذا النوع من الشيوخ أحد وهي كلمة تقال للتحسر ولرفع الهمة للوصول إلى رتبة المشيخة بحق وإلا فإن الأمة لم تخل من الوارث الكاملين في كل عصر والحمد لله. ومن عرف شيخنا محمداً الحامد رحمه الله عرف ما قلناه...

في المجموعة الثانية من الأبيات التي نقلناها ذكر صاحب المباحث ثلاث نقاط رئيسية في قضية الشيخ:
1ً- أن يكون الشيخ قد سار في الطريق من مبداه إلى منتهاه وعرف كل خفاياه حتى أصبح قادراً على أن يدل أصناف الخلق جميعاً على هذا الطريق.

2ً- أن يكون الشيخ بصيراً بأنواع القلوب وأنواع أمراضها قادراً بإذن الله على تطبيبها.

3ً- أن يكون عارفاً بأنواع الأدوية القلبية وما يناسب منها للأدواء.

والآن لنر بعض عبارات ابن عطاء في الشيخ: قال ابن عطاء:

"لا تصحب من لا ينهضك حاله ولا يدلك على الله مقاله ربما كنت مسيئاً فأراك الإحسان منك صحبتك إلى من أسوأ حالاً منك" "ولأن تصحب جاهلاً لا يرضى عن نفسه خير لك من أن تصحب عالماً يرضى عن نفسه فأي علم لعالم يرضى عن نفسه وأي جهل لجاهل لا يرضى عن نفسه". "من رأيته مجيباً على كل ما سئل ومعبراً عن كل ما شهد وذاكراً كل ما علم فاستدل بذلك على وجود جهله". "تسبق أنوار الحكماء أقوالهم فحيث صار التنوير وصل التعبير، كل كلام يبرز وعليه كسوة القلب الذي منه برز، من أذن له في التعبير فهمت في مسامع الخلق عبارته وجليت إليهم إشارته. ربما برزت الحقائق مكسوفة الأنوار إذا لم يؤذن لك فيها بالإظهار، عباراتهم ما لفيضان وجد أو لقصد هداية مريد. فالأول حال السالكين والثاني حال أرباب المكنة والمحققين والعبارة قوت لعائلة المستمعين. وليس لك إلا ما أنت له آكل، ربما عبر عن المقام من استشرف عليه وربما عبر عنه من وصل إليه وذلك يلتبس إلا على صاحب البصيرة".

بعد أن رأينا نموذجاً من النصوص ونموذجاً من كلام الصوفية مما ندرك به قضية الشيخ لنتساءل الآن: إذا كانت هذه مهمة الشيخ في تربيته للمريد من جانب علمي وروحي يبقى أن نتبين ما هي مهمة الشيخ في عصرنا الذي استشرق فيه الردة وسيطر فيه الكفر وما تأثيرات ذلك وانعكاساته على تربية المريدين؟ ثم ما هي مهمة الشيخ في عصر لم يعد للمسلمين فيه دولة. وكيف تكون الصلة بينه وبين غيره وهكذا ليكون المسلمون صفاً واحداً ويداً واحدة وجماعة واحدة.

لأشرح تصوري عن هذا الموضوع وبعد ذلك نقف وقفات، تبدأ رحلة الأمة المريضة إلى الصحة بوجود المجدد ونوابه الذين ينقلون الانسان إلى صحته في جوانب ثلاثة: الإلتزام والخصائص والثقافة في رسالتنا التي عنوانها "من أجل خطوة إلى الأمام على طريق الجهاد المبارك" ذكرنا بعض مظاهر المرض في الأمة الإسلامية أو في بعض منها وقلنا هناك باختصار أن الطريق إلى الصحة يبدأ بوجود نموذج الصحة الأول المتمثل بالنسبة للأمة الإسلامية في كل عصر أو قرن أو جيل بالمجدد ثم بالوارث الكاملين الذين ينطلقون في عملية التجديد حتى نهاياتها مبتدئين بإيجاد المسلم الكامل ومنتهين بإعلاء كلمة الله حيث وصلت إلى ذلك قدراتهم. وهناك في رسائل أخرى من هذه السلسلة تحدثنا كثيراً عن الدواعي التي تجعل نقطة البداية في الصحة هي نظريات المجدد في العمل التجديدي لحياة الاسلام والمسلمين لا بد أن ينطلق الوراث ليصوغوا المسلم صياغة كاملة ويرتقوا بكل مسلم إلى قمته التي تستأهلها طاقاته وهمته واستعداداته. وهذا يعني بشكل مبدئي أن توجد طبقة من الوراث تغطي احتياجات هذه الأمة وذكرنا في أكثر من رسالة من هذه السلسلة أن اصطلاح النائب في كلام الأستاذ البنا رحمه الله هو الذي يقابل كلمة الوارث الكامل أو الشيخ أو غير ذلك مما اصطلح عليه الناس كرمز إلى عالم عامل مرب وتكلمنا كثيراً في هذه السلسلة عن العمل الاسلامي والتربية الإسلامية. وههنا نحب أن نبرز نقطة فقط وهي: ما هي مهمة الوارث الأولى في تكوين الإنسان المسلم في عصرنا؟ لا شك أن هناك ثلاث دوائر يحتاجها المسلم المعاصر وهي التي تحتوي كل ما يمكن أن يتصوره أحد في باب تكوين المسلم سواء كان المتصور صوفياً أو فقيهاً أو مجاهداً. هذه الدوائر الثلاث هي: العلم والأخلاق الأساسية وما يتفرع عنها ولزوم جماعة المسلمين وإمامهم وما يلزم لذلك من تربية ووعي وسلوك والتزام. وعلة العلل أن المسلم المعاصر تفوته واحدة من هذه أو اثنتين أو الثلاثة أو يأخذ بعض هذه الثلاثة بضعف.

تصور أن مسلماً عنده علم ولكن الأخلاق الأساسية تفوته أو واحداً منها. إن الأمر لا يستقيم على ذلك. وتصور أنما يقتضيه الالتزام بجماعة المسلمين من تربية ووعي وغير ذلك ليس موجوداً فإن الأمر كذلك لا يستقيم. إن علة العلل تكمن في ضياع واحدة من هذه الثلاثة أو أخذها بشكل قاصر، ويدخل في العلم في رأينا: الثقافة الإسلامية بأصولها وفورعها التي أحصيناها في كتاب جند الله ثقافة وأخلاقاً ويدخل في العلم تحصيل الثقافة المعاصرة حتى لا يكون الإنسان غريباً عن عصره وعما يجري فيه ويدخل في العلم الثقافة التأهيلية إما لاختصاص حياتي أو لاختصاص داخل العمل الإسلامي المعاصر.

وأما الأخلاق الأساسية فهي التي تحدثت عنها آيات الردة في سورة المائدة وقد فصلنا الكلام في شأنها في كتاب / جند الله ثقافة وأخلاقاً / وهي محبة الله والذلة على المؤمنين كل المؤمنين والعزة على الكافرين كل الكافرين والجهاد في سبيل الله وتحرير الولاء لله ورسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين.

وأما لزوم جماعة المسلمين فيقتضي معرفة ماهية جماعة المسلمين والشروط التي يجب أن تتوفر فيها حتى تكون هي جماعة المسلمين، كما يقتضي معرفة بالقواعد التي يقوم عليها العمل الإسلامي وتسير عليها الجماعة كما يقتضي عقلية شورية تقبل الشورى وتنزل على مقتضياتها على ضوء قواعد الشورى الإسلامية. إذا اتضح هذا كله وكان هذا كله ضرورياً فماذا يحدث الآن؟

تجد شيخاً يزعم أنه يسير المريد في طريق الجنة وتفوته التربية على الذلة للمؤمنين والعزة على الكافرين والجهاد وتحرير الولاء وتجد شيخاً يعلم بعض مسائل الفقه أو التوحيد وينسى تعليم الكتاب أو السنة أو السيرة وحياة الصحابة أو تاريخ الأمة الإسلامية أو غير ذلك مما يلزم لثقافة اسلامية متكاملة وتجد من يدعو إلى دعوة الأستاذ البنا نفسه وتفوته أمور كثيرة في الثقافة أو الأخلاق أو التربية الجماعية الاسلامية وفي احدى هذه الدوائر يكمن الخلل ويبقى الحال كما نرى.

إن مهمة الشيخ هذا كله، ولا شك أن استعدادات الناس متفاوتة ولكن حداً أدنى مما يلزم لكل إنسان لا بد من تواجده ومهمتنا أن نرتفع بالناس لا أن ينزلنا الناس إلى ما يريدون. إذا أدركنا هذه السطور القليلة أصبح بإمكاننا أن ندرك نقاط الخلل في رتبة المشيخة المعاصرة وعرفنا ما يلزم للارتفاع بهذه الرتبة. وأتمنى لكل مسلم كان دون هذه القمة التي ذكرت أن يسير على يد من يستطيع أن يصل به إلى هذه القمة أو يضع لنفسه برنامجاً يستكمل به نقصه. وقديماً كانت الإجازة التي يعطيها الشيوخ شهادة لإنسان بالتحصيل والقدرة على التكميل وحبذا لو وجود هذا بشكله المفصل في عصرنا خاصة لرتبة الوراثة الكاملة أو المشيخة المربية أو لرتبة النائب في اصطلاح الأستاذ البنا. وإنني أعتبر أن المهمة الأولى لجماعة المسلمين هي أن توجد طبقة من النواب أو الشيوخ الكمل تستوعب احتياجات المسلمين التعليمية التربوية السلوكية. وبمناسبة المرور على كلمة الإجازة نقول باختصار في شأنها: إن الإجازة شهادة على أهلية إنسان ما لنوع من العلم فالإجازة في علم شهادة من أهله على أن إنساناً يملك النضج أو حده الأدنى في هذا العلم. والإجازة في التربية شهادة على أن إنساناً ما يملك النضج أو حده الأدنى الذي يؤهله للتربية. ولا شك أن الشهادة من أهلها تبعث على الاطمئنان. ومن ثم تشترط الإجازة للاستقلال بالعلم والتربية أما للتعاون والمساعدة على العلم والتربية فهذه فيها سعة إذا وجد الأساس الصالح، إذا استوعبنا ما مر نكون قد أدركنا رتبة المشيخة كما يحتاجها عصرنا وأدركنا حال المشيخة في وضعها الحاضر.

تصور الآن إنساناً يتصدر لرتبة المشيخة وهو لا يعرف عصره وليس قادراً على الفتوى المستوعبة للزمان والمكان والأشخاص جاءه مريد يستفتيه في شؤونه العامة أو الخاصة أو يستفتيه في شؤون الإسلام والمسلمين إلى أين يمكن أن تصل فتاواه. ولذلك حذرنا في هذا البحث من الالتزام المطلق بشيخ بل نصحناه وننصحه بما يلي:

1ً- أن يكون الالتزام المطلق لجماعة المسلمين وإمامهم حيثما وجدت جماعة المسلمين وإذا لم تكن موجودة فعليه إيجادها والعمل من أجل ذلك.

2ً- أخذ الخير أنى وجده وتحرير كل ما يسمعه على ضوء العلم الصحيح فإذا استوعب المسلم هاتين القضيتين وكان بيده الميزان الصحيح وهو العلم الصحيح فلا عليه بعد ذلك أن يجالس كل أحد ويستفيد من كل أحد، ولا شك أنه سيجد كاملاً وأكمل وعالماً وأعلم وذا حال طيب وذا حال أطيب فيأخذ من هذا أكثر من هذا وكل ذلك طيب ولكن إياه والإلتزام المطلق إلا لجماعة المسلمين إمامهم لأنه إذا أعطينا لأنفسنا أن يلتزم كل منا بشيخ التزاماً مطلقاً فكيف يكون للمسلمين جماعة واحدة؟ ولذلك قال السيوطي "رجل أعطى العهد لشيخ ثم أعطاه لآخر أي العهدين يُلزمه؟ قال لا هذا ولا ذاك ولا أصل لذلك". (إذ الأصل الوحيد هو لزوم جماعة المسلمين وإمامهم) فإذا كان الشيخ هو إمام المسلمين المنبثق عن شوراهم أو كان من جماعة المسلمين وأنا وإياه ملتزمان بالجماعة وأمرت أن ألتزم به على ضوء قواعد الجماعة فالالتزام به التزام بجماعة المسلمين ولا تناقض وذكرنا من قبل أن الصوفية بحثوا حالة لا يجد فيها الإنسان مرشداً كاملاً فقالوا بأن العلم مع الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم كافيان للإنسان لأنه الله عز وجل وعد من يصلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي هو عليه ففي الحديث: "من صلى علي صلاة صلى الله بها عليه عشراً". وإذا صلى الله على الإنسان أخرجه من كل ظلمة إلى كل نور {هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور} إن التسليم لغير المرشد الكامل والالتزام المطلق بغير جماعة المسلمين وإمامهم خظآن كبيران. وأكثر الصوفية الآن تغيب عنهم هاتان القضيتان فعلى كل مسلم أن يراجع نفسه في هذا الشأن فيترك العصبية العمياء لشيخه إذ يعطيه مقاماً غير مقامه ويترك هذه السيوبة عن جماعة المسلمين، فإن الإلتزام بجماعة المسلمين هو واجب شرعي، وقد ذكرنا في رسالة المدخل من هذه السلسلة شروط اعتبار مجموعةٍ ما جماعة المسلمين فلتراجع. فإذا كانت هذه الجماعة موجودة فنلتزم بها وإلا فلنوجدها، ومن العبارات الشائعة عند الصوفية عبارة تقول: "من لا شيخ له فشيخه الشيطان". وهي عبارة تنقل عن واحد من كبار الصوفية، ونحب أن نكون واضحين ونحن نناقش هذا الأمر.

إن علماء الأصول لم يعتبروا رأي الصحابي نفسه ملزماً للأمة فكيف رأي غيره؟ وإنما يكسب قول أي إنسان قوة بقدر ما تؤيده النصوص فعلينا أن نتذكر دائماً هذا الأصل فإذا اتضح هذا الأصل نقول: إن هذه العبارة صحيحة في صورة واحدة وهي: أنه لو وجد إنسان جاهل وليس عنده قدرة على أن يتعلم لنفسه العلوم الشرعية فهذا إنسان يسير في عباداته ومعاملاته وتصرفاته على غير علم فهذا لا شك شيخه الشيطان أما الإنسان القادرعلى أن يتعلم بنفسه وهو يسير على ضوء العلم الصحيح فهذا شيخه العلم الصحيح وشيخه الكتاب. أما الإنسان الذي يأخذ العلم عن أهله فهذا له شيوخه. فإذا أدركنا هذا عرفنا محل هذه العبارة وعرفنا الخطأ المتعمد أو الجاهل الذي  به يحاول بعض الناس أن يحملوا هذه العبارة على من لا شيخ صوفياً له وبالتالي منهم يتكئون عليها للدعوة إلى شيوخهم وقد يكون شيوخهم جهالاً يحتاجون إلى شيوخ. ومن المفاهيم الشائعة عند بعض الصوفية أي مستحيل وصول إلى الله إلا عن طريق شيخ صوفي وهذا وهم كبير وقد رأينا عبارة ابن عطاء "وصولك إلى الله وصولك إلى العلم به". فمعرفة الله عز وجل بابها مفتوح لمن سلك طريق ذلك سواء كانت المعرفة الذوقية أو المعرفة العلمية وإن تعليق المعرفة بالله على وجود شيخ من طراز خاص وتأثيم من لا يسلكون على يد أمثال هذا الشيخ. إن هذا يعني أن ملايين المسلمين ماتوا وهم جهال بالله وبعضهم المفسر وبعضهم المحدث. والحق أن الاصطلاح على المشيخة الصوفية جاء متأخراً في العصور الإسلامية فهل كان الناس قبل ذلك لا يعرفون الله وهم أفضل الأجيال على الإطلاق. والمناقشات الفارغة في هذا المقام لا تغني عن الحق شيئاً. أدبنا كمسلمين أن نأتي البيوت من أبوابها ولكل شيء بابه الذي نلج إلى البيت من خلاله ولكن إنسان أحواله ولكل إنسان أوضاعه. والفتوى تقدر زماناً ومكاناً وشخصاً فهذا إنسان في حقه أن يذهب إلى شيخ فقيه الأمر فرض، وهذا إنسان في حقه أن يذهب إلى عالم بالتوحيد الأمر فرض، وهذا إنسان في حقه أن يذهب إلى شيخ صوفي الأمر فرض، والفتوى تقدر زماناً ومكاناً وشخصاً. يقول الشيخ أحمد الزروق في موضوع الشيوخ "وقد تشاجر فقراء الأندلس من المتأخرين في الاكتفاء بالكتب عن المشايخ فكتبوا للبلاد فكل أجاب على حسب فتحه، وجملة الأجوبة دائرة على ثلاثة (أولها) النظر للمشايخ: فشيخ التعليم تكفي عنه الكتب للبيب حاذق يعرف موارد العلم ولشيخ التربية تكفي عنه الصحبة لذي دين عاقل ناصح. قال شارح بداية السلوك: وقل إن يوجد لغلبة الهوى، وشيخ الترقية يكفي عنه اللقاء والتبرك وأخذ كل ذلك من وجه واحد يعني أن أخذ ذلك عن الشيخ في الأوجه الثلاثة أتم للنجح وأبلغ للمراد. (ثانيها) النظر لحال الطالب فالبليد لا بد من شيخ يربيه، واللبيب تكفي الكتب في ترقيه لكنه لا يسلم من رعونة نفسه وإن وصل لابتلاء العبد برؤية نفسه. (ثالثها) النظر للمجاهدات: فمجاهدة التقوى لا تحتاج إلى شيخ لبيانها وعمومها والاستقامة تحتاج للشيخ في بيان الأصلح منها وقد يكتفي عنه اللبيب بالكتب ومجاهدة الكشف والترقية لا بد فيها من شيخ يرجع إليه في فتوحها كرجوعه عليه السلام في عرضه على ورقة بن نوفل لعلمه بأخبار النبوة ومبادئ ظهورها حين فاجأه الحق وهذه الطريقة قريبة من الأولى والسنة معها والله تعالى أعلم" (انتهى). لاحظ قوله: فالتقوى لا تحتاج إلى شيخ. والتقوى كما عرفناها تفصيلاً في كتاب جند الله ثقافة وأخلاقاً هي مطلب الله عز وجل من عباده لأنها تحتوي ما قبلها وتضع قدم الإنسان فيما هو أرقى منها كمقام الشكر ولا تقوى أصلاً إلا بمعرفة الله عز وجل. وقد آن الأوان بعد الذي ذكرناه في هذا الباب أن تتبين ضرورة الشيخ في العلم والتربية فقد استجرنا التوضيح ومناقشة الأخطاء إلى كلام عن موضوع الشيخ قد يفهم منه فاهم أن الشيخ لا محل له أصلاً لذلك أحببنا أن نوضح هذه النقطة:

1-     إن الشيخ البصير في الأمور يختصر لك الطريق فبدلاً من أن تنصب في الطريق أي طريق سواء كان طريق تحصيل علم ما أو طريق الاستدلال على صلاح القلب أو طريق التخلص من مرض فإنه يختصره لك.

2-     إن الشيخ الكامل يجنبك الخطأ في الفهم أو الخطأ في السلوك أو الخطأ في التصورات التي يمكن أن تنشأ عن سير الإنسان نفسه.

3-     إن الشيخ من خلال صحبته تأخذ منه حالاً وتأخذ منه سمت العلماء وأدبهم.

4-     إن مجرد قبول الإنسان أن يأخذ العلم أو التربية عن أهلها يحرره من كثير من الأمراض كمرض الغرور أو العنجهية أو الكبر.

5-     وكل حالة يفترض على إنسان تحصيل شيء ولا يستطيع تحصيله إلا من جهة ما فإن الأخذ عن هذه الجهة في حقه يصبح فرضاً من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

6-     وإذا كان الشيخ صالحاً وداعياً إلى هدى فإن الانتفاع به في الدنيا والآخرة تدل عليه النصوص.

7-     والتجمع حول شيخ والمشاركة في حلقات العلم والذكر والتآخي الخاص في هذه الأجواء تترتب عليه مصالح كثير في الدنيا والآخرة وكل ذلك غيض من فيض في محل الشيخ ومكانه. ونحن بقدر ما نركز على أن تزول الأخطاء من التصورات والسلوكيات في باب الشيخ فإننا نركز على أن نقطة الانطلاق الصحيحة هي وجود الولي المرشد.

 

فصل في البيعة:

في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان رسول الله يأخذ البيعة على الدخول في الإسلام وعلى أعمال من الإسلام وكانت البيعة في أحد أوجهها بيعة لشخص رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة ثم بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وجدت صيغة وحيدة للبيعات هي البيعة السياسية بمعنى أنه لا توجد إلا بيعة واحدة هي البيعة التي تعطى لأمير المؤمنين ولما اختلفت الاتجاهات في الأمة الإسلامية بقيت البيعة تعطى على أساس الولاء الشخصي لجهة في إطار سياسي مرتبطاً بالحكم والسلطان وبقي الأمر على ذلك حتى القرن الخامس للهجرة حيث وجدت البيعة للشيخ في بعض الهيئات على أساس التزام بأعمال أو شيء من ذلك، وفصل هذا النوع من البيعات للشيوخ عن الإطار السياسي فأصبح بعض الناس لهم بيعتان: بيعة للسلطان على الطاعة في الأحوال العامة وبيعة للشيخ على الإلتزام بالتقوى وأصبح كل شيخ يأخذ البيعة على مريديه في هذا الإطار واستمر الأمر على ذلك حتى سقوط الدولة الإسلامية وانتهاء الحكم الإسلامي في كثير من الجهات. وغلب الجهل على الناس فغابت عنهم قضية الخلافة وضرورة العمل من أجلها وغاب عن كثير من الناس ضرورة العمل لإقامة الحكم الإسلامي في أقطارهم وضاع في خضم ذلك فكرة البيعة السياسية وبقيت في بعض الدوائر فكرة البيعة الصوفية. فخلط بعض الصوفية بين البيعة للإمام وبين البيعة للشيخ واعتبروا أن البيعة للشيخ لها نفس شروط البيعة تلك وأن لها أحكامها وأنها تغني عنها ولذلك صحح الفقهاء هذا الموضوع فقالوا: كما في تنقيح الفتاوى الحامدية عن السيوطي "رجل أعطى العهد لشيخ ثم أعطاه لآخر أي العهدين يلزمه؟ قالوا لا هذا ولا ذاك ولا أصل لذلك". وواضح أن البيعة الصوفية ذات صفة غير ملزمة من هذا الحديث الذي رواه مسلم وهو فيما يسمى في اصطلاحنا اليوم بالبيعة السياسية "إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما". فلو أن هذه البيعات التي تعطى للشيوخ لها حكم البيعة المعروفة لجاز لنا أن نقتل كل الشيوخ ما عدا شيخاً واحداً ما داموا جميعاً يأخذون البيعات وهذا لا يقول به أحد، ثم إن كثيراً من المجموعات الإسلامية صارت تأخذ عهوداً وبيعات على المنتسبين لها وهذه البيعات كلها إن كانت على عمل بعينه فإن لها حكم النذر أو اليمين أو كانت لأخذ ولاء شخص لجهة معينة فإنها تكون بيعة غير ملزمة بل أحياناً تكون واجبة الفسخ إلا في حالة واحدة وهي البيعة لإمام المسلمين وجماعتهم ولكن حتى تتوفر في جهة ما شروط كونها هي الجماعة الإسلامية وحتى يوجد من له أحكام للإمام هذا موضوع له مواصفاته الكثيرة. والعاملون للإسلام الآن إما أنهم مجموعات ليست مرشحة لأن تكون جماعة المسلمين أو أن بعضهم يعمل لتوفير شروط الجماعة في ذاته وهو مرشح لذلك، أو أن بعضهم توفرت فيه وفي قياداته شروط الجماعة المسلمة والبيعة في كل حالة من هذه الحالات لها أحكامها ودرجة إلزامها وبشكل عام نقول:

1-     إن شيوخنا كانوا يرون أن البيعة التي تعطى للشيخ عند الصوفية هي بيعة على التقوى ولذلك فإنهم يكتفون فيها بوضع اليد وقراءة قوله تعالى: {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله، يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليهُ اللهَ فسيؤتيه أجراً عظيماً} دون أن يضيفوا شيئاً آخر، إن البيع في هذا الإطار أي بأن يلحظ فيها ألا تكون لها أحكام البيعة العامة وبحيث لا تحول دون الإلتزام بجماعة المسلمين وإمامهم، إن البيعة بهذا الشكل لا حرج فيها.

2-     إن البيعة الملزمة الوحيدة هي التي تعطى لجماعة المسلمين وإمامهم ولكن على الإنسان قبل أن يعطي هذه البيعة أن يتأكد من أن هذه الجماعة وإمامها متوفرة بها الشروط اللازمة وعلى فرض أن أعطاها وتبين له أن الأمر ليس كذلك فإنه يكون في حل من هذه البيعة ولكن يبحث هل عليه كفارة يمين أو لا؟ هذا يختلف باختلاف الصيغة التي أديت بها البيعة.

3-     يمكن أن تأخذ جهة مأذونة بيعة ما على أعمال إسلامية بعينها والالتزام في هذه الحالة التزام بالعمل وإذا عجز الإنسان عن هذا العمل فينظر هل عليه كفارة يمين أو لا؟ وبشكل عام أنا أدعو كل مسلم إلى التريث في أمور النذور والأيمان والعهود والبيعات إلا إذا اقتضاه واجب شرعي أن يفعل شيئاً من ذلك وأقترح على الحركة الإسلامية بعد أن تضع كل القواعد التي بها تصبح هي جماعة المسلمين بحق وإمامها إمامهم أن تأخذ البيعة للقيادة المنبثقة عن هذه القواعد ويطيب لي في هذا المقام أن أسجل نقطة هي: إن كثيرين من المسلمين أنفسهم يصيبهم اليأس وهم يرون المآسي التي رافقت سلسلة الخلافة حتى سقوطها. ويصيبهم اليأس وهم يرون كيف أن الانحراف عن الحكم الإسلامي بدأ مبكراً جداً في تاريخ الأمة الإسلامية ويصيبهم اليأس وهم يرون الحال والواقع الذي عليه المسلمون أنفسهم ويصيبهم اليأس وهم يرون واقع القوى العالمية ويتعجبون أن يتكلم أمثالنا في الأسس الصحيحة للانطلاق ويتصورون أن هذا أشبه بالأحلام ونقول لهؤلاء جميعاً: هل نحن مكلفون أو لا؟ فإذا كنا مكلفين من الله بعمل فعلينا أن نفعل ولا علينا بعد ذلك إذا فرط غيرنا بالتكليف فنحن طلاب جنة عرضها السموات والأرض وماذا يضيرنا إذا ربحناها وخسرها غيرنا. إن أهل كل عصر مكلفون بإقامة الإسلام كله فهم لا يسألون عن تقصير السابقين ولا تفريط اللاحقين. إن هذه هي نقطة التفكير السليم فيما نحن فيه إذا كنا مسلمين حقاً، على أننا مع هذا نقول: إن ما حدث من انحرافات أعطانا دروساً، وإن ما كان من مآسي فإن علينا أن نعمل كي لا يتكرر مرة ثانية، وإن واقع المسلمين الحالي ليس صعب التغيير إذا سرنا في الطريق الصحيح. وإن القوى العالمية لا تساوي شيئاً مع وعد الله لنا {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً}. ولحكم كثيرة قال ربنا بعد هاتين الآيتين: {لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض ومأواهم النار ولبئس المصير}. إننا نملك بفضل الله نقطة البداية الصحيحة وهي الانطلاق عن اجتهاد إنسان مجدد لا يشك عارفوه أنه من أولياء الله عز وجل وهو الأستاذ البنا رحمه الله وعلينا أن ننطلق بدفعة التجديد في هذه الأمة مهما كلفنا ذلك وإنا لنرجو ثمرات ذلك في الدنيا والآخرة {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار}.

 

|السابق| [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

تربيتنا الروحية 

فصول في الأمرة والأمير 

هذه تجربتي وهذه شهادتي 

الإجابات 

إحياء الربانية 

الرسول صلى الله عليه وسلم 

غذاء العبودية 

قوانين البيت المسلم 

موسوعة الكتب الحركية Book Select Book Select Book Select


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca