الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: تربيتنا الروحية
المؤلف: سعيد حوى
التصنيف: أسرة
 

محتويات الكتاب

الباب السادس عشر - في الأخلاق والآداب

الباب السادس عشر

في الأخلاق والآداب

 

الأدب هو الباب الذي انعكاساته على كل موضوعات السير إلى الله عميقة وبعيدة فسوء الأدب يفسد السلوك كله فهو يفسد العمل ويفسد القلب ويفسد آثار الذكر وآثار الصمت وآثار الخلوة والعزلة ويستحيل معه الأخذ من الشيوخ ومن ثم فلا سير بلا أدب مع الحق والخلق ومن ثم قالوا: والله ما فاز إلا بحسن الأدب ولا سقط من سقط إلا بسوء الأدب: إن حسن الأدب أصلاً تعبير عن كمالات النفس وعن انضباطها وعن التحكم في نزواتها وذلك وحده علامة خير بينما سوء الأدب دلالة على أن النفس لا تزال متلطخة برعوناتها عاجزة عن الانضباط ضمن المسار الصحيح. ولا شك أن الأدب له مظهران: مظهر علمي ومظهر التزامي وسلوكي وككل شيء فالمظهر العلمي يسبق السلوك والالتزام عادة. ومن ثم فلا بد من تحديد صحيح لموضوع الآداب، ولكن موضوع الآداب أوسع من أن يحيط به باب إذ العادة أن كل باب من أبواب الفقه في الغالب أو من أبواب التصوف لا بد أن تدخل فيه قضايا هي من باب الآداب، ومن ثم فنحن لا نطمع هنا أن نذكر كل شيء بقدر ما نطمع أن نذكر أمهات في هذا الباب لا تغني عن معرفة أخواتها في أبواب أخرى. وهذه كلها لا تغني عن التأدب بالكتاب والسنة. إن الكتاب والسنة هما مظهر البناء الأخلاقي والسلوكي واجتهادات الأئمة المنبثقة عن ذلك لا تغني عن دراسة الأساس بل هي استنباط دقيق لما ورد فيهما. ومن ثم فنحن نعتبر دراسة سلسلة / الأساس في المنهج / هي التغطية الكاملة لكل ما يلزم المسلم لانطلاق صحيح شامل وإذن فكلامنا في هذا الباب ذو حدود ضيقة جداً فليلاحظ ذلك...

لقد كان بعض شيوخنا ينبه على ضرورة الأدب مع الله ومع الإنسان ومع الحيوان ومع الأشياء ويضرب لنا مثلاً على أن الأشياء إذا أحسنت التعامل معها خدمتك وإذا لم تحسن لم تخدمك. يضرب لنا مثلاً على ذلك باستعمالنا لابريق الوضوء فلو أنك استعملته بلطف أخذاً ووضعاً خدمك كثيراً وإلا لم يخدمك فإذا كان هذا محل حسن الأدب مع الأشياء فما بالك بالأحياء. لا بد أن نتعامل مع كل شيء بالأصول الصحيحة للتعامل على ضوء شريعة الله قبل كل شيء وبعد كل شيء. لا بد من الأدب الرفيع مع الله عز وجل شكراً وعبودية خالصة ورغبة ورهبة فدوائر الآداب إذن واسعة جداً وعلينا أن نأخذ منها حظوظنا، إنه من الملاحظ أن بعض البيئات بشكل عام لم تستطع أن تصل عملياً حتى الآن إلى آداب عامة تصبح بمثابة ألف باء في التعامل اليومي ولهذا تأثيراته الكبيرة على الحياة بشكل عام بينما استطاعت بعض البيئات أن تصل إلى اعتماد كثير من الآداب المتعارف عليها في كل جانب من جوانب الحياة في طريق كلامها وفي طبيعة لباسها المناسب لكل مناسبة وفي طريق التعامل مع الآخرين في كل وضع وفي طريقة التقديم والتأخير إلى آخر ما يدخل في باب التعامل العام ونحن المسلمين أغنى الخلق بعلم الآداب على الإطلاق وليس الأمر هكذا فقط بل أدبنا في كل حالة هو الأدب الأرقى ولكن هذه الآداب نجدها متناثرة ههنا وههنا في كتب الفقه وفي كتب شروح الحديث وكتب التصوف المختلفة وكتب التفسير. وأولاً وقبل كل شيء فإن الكتاب والسنة ما تركا أدباً ولا خلقاً طيباً إلا بيناه ولكن كتاباً جامعاً للسنة كلها بشكل عملي لا نجده في كل بيت وفهماً صحيحاً للقرآن لا يسعى إليه كل مسلم ثم قراءة مستوعبه لكتب الفقه والتصوف نادراً ما يحصلها إنسان بشكلها الكامل وكل ذلك أدى إلى انحسار قضية الآداب أو وجودها في بيئات محدودة وبشكل جزئي وأحياناً فإن هناك مفاهيم خاطئة وسلوكاً خطراً يأخذ طابع الأدب. هذا كله يحتاج إلى علاج، وبداية العلاج وجود كتاب التفسير المناسب ووجود كتاب السنة الجامع والمتوفرة في جمعه وخدمته شروط متعددة وكذلك التأليف المناسب في الفقه والتصوف. ولذلك وكما ذكرنا فإننا سنذكر شيئاً ما في هذا الباب لأن الأمر أوسع من أن يذكر في باب من كتاب صغير وعلينا أن نلاحظ أن قضية الآداب في اصطلاح الصوفية أوسع منها في اصطلاح الفقهاء فالفقيه يتحدث عن الأدب كمكمل للفرائض والواجبات والسنن ولكن الصوفي يذكر أشياء هي من باب الفرائض في بحث للآداب لأن الأدب عنده هو السلوك والتعامل مع الله عز وجل ومع خلقه وهذه قضية ينبغي أن يتنبه إليها الإنسان، ونحن في هذا الباب سنجري على ذكر بعض الآداب على طريق الصوفية وعلى هذا فما نذكره هنا تحت عنوان هذا الباب قد يكون فرضاً وقد يكون واجباً وقد يكون سنة أو هو مباح فليلاحظ ذلك. ومجموع ما سنذكره في هذا الباب إنما هو فصول متفرقة يجمعها كلها أنها آداب وأخلاق إما مع الحق أو مع الخلق أو هي من باب الخصائص وكما قلنا من قبل إنه بدون إحاطة في الكتاب والسنة فإننا لا نطمع أن نتعرف على مجموع الأخلاق والآداب الإسلامية. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان خلقه القرآن فما نذكره هنا وما يذكره غيرنا إنما هو تنبيه على بعض الأمور ولا يطمع أحد في الإحاطة. إنه للوصول إلى كمال النفس الذي هو العبودية الخالصة لله لا بد أن نحقق شروط السير وبقدر ما يكون تفريط في هذه الشروط يكون الوصول عسيراً أوناقصاً أو مستحيلاً وإذن فالمسألة تحتاج إلى معرفة بالشروط وكل شرط يحتاج إلى آداب. وما من خُلق ينفصل عن أدب فلن نتحقق بكمال إذا لم يرافق ذلك أدب فالتواضع كصفة للنفس يحتاج إلى مظهر هو أدب والحلم كصفة للنفس يحتاج إلى مظهر هو أدب واحترام المسلم وإكرامه كصفة للنفس يحتاج إلى مظهر هو أدب وبقدر ما يكون السير صحيحاً وبقدر ما تتحقق شروط السير وبقدر ما تتوفر الآداب يكون الوصول إلى مظهر الكمال أكيداً وبقدر ما يكون الكمال تكون القدرة على التكميل لمن أقامه الله هذا المقام. فقضية الآداب والأخلاق إذن قضية واسعة والصوفي من أولى سماته التتبع لمكارم الأخلاق ومحاسن الآداب والتحقق بها ومن ثم قالوا: التصوف خلق فمن زاد عليك في الخلق فقد زاد عليك في التصوف فإذا اتضحت هذه المعاني كلها فلنبدأ عرض بعض الفصول في موضوع هذا الباب.

 

فصل جامع في موضوع الأخلاق والآداب:

عقد صاحب المباحث الأصيلة فقرة لقضية الأخلاق والآداب في الطريق ننقله ههنا مع تعليمات خفيفة على كلمات فيه: "وللطريق ظاهر وباطن". أي للطريق إلى الله ظاهر وباطن سيفسرها في بيتين آتيين وباختصار ظاهرها ما يتعلق بإصلاح الجوارح الظاهرة وباطنها ما يتعلق بإصلاح العوالم الباطنة "تعرف منه صحة البواطن". أي أن ظاهر الطريق تعرف منه صحة بواطن السالكين. أخبر أن استقامة الظواهر دليل تعرف منه استقامة البواطن وعبر عن الاستقامة بالصحة، فصحة الظاهر عنوان صحة الباطن ثم فسر ظاهر الطريق بقوله: "ظاهرة الآداب والأخلاق". "مع كل خلق ما له خلاق". الخلاق: النصيب. فظاهر الطريق الأدب مع خلق الله حتى مع من ليس لهم نصيب في الآداب فضلاً عن غيرهم. والأدب هو الموقف الأفضل من كل وضع نواجهه على مقتضى شريعة الله. فهناك حالات يكون الأدب فيها هو الغضب وحالات الأدب الأرقى فيها هو الإحسان وكظم الغيظ وهو معنى دقيق لا يفطن له إلا موفق ولا يعرف أن يضع كل شيء في محله إلا عالم وحكيم كان من خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لا يغضب لنفسه ولكن إذا انتهكت حرمات الله فإنه لا يقوم لغضبه شيء وإذا وُجد منكرñ فإنه لا ينتهي سخطه إلا بانتهاء هذا المنكر ثم فسر باطن الطريق بقوله: "باطنه منازل الأحوال". الوارد الإلهي إذا نزل في القلب أحدث أثراً. هذا الأثر يسمى حالاً ومنازل الأحوال هي القلوب ولكنه في البيت أراد الأحوال القلبية الصالحة نفسها بدليل أنه ذكر المقامات بعد ذلك مصاحبة للأحوال فقال: "مع المقامات لذي الجلال". الفارق بين الحلال والمقام أن الحال يتحول فيذهب ويجيء بخلاف المقام فإنه رسوخ وتمكين فباطن الطريق إذاً الأحوال والمقامات في السير لذي الجلال الله رب العالمين فكأنه قال: باطن السائر إلى الله بين حال ومقام وهو في انتقال دائم من حال إلى مقام ومن مقام إلى مقام. وهذا كله هو باطن الطريق. ولنا عودة على هذا الموضوع، ثم بدأ المؤلف يتكلم عن الأدب فقال: "والأدب الظاهر للعيان". "دلالة الباطن في الإنسان". هذا داخل فيما تقدم من أن صحة الظواهر تدل على صحة البواطن "وهو أيضاً للفقير سند". أي ستند إليه الفقير حالاً فيرتفع إلى المقامات العلى ديناً ودنياً لأن القلوب مجبولة على حب أهل الأدب "وللغني زينة وسؤدد". فالأدب يزين الفقير ويشرفه ويرفع قدره ومراده بهذا البيت أن الأدب لا يستغني عنه غني أو فقير "وقيل من يحرم سلطان الأدب". أي يمنع منه ولم يوجد فيه شيء منه "فهو بعيد ما تدانى واقترب". التداني والقرب بمعنى واحد والمعنى أن من لا أدب عنده فهو بعيد عن الله وعن خلقه مهما تصور دنوه في زعمه واقترابه في وهمه قال أبو حفص: التصوف كله أدب لكل وقت أدب ولكل حال أدب ولكل مقام أدب فمن لزم آداب الأوقات بلغ مبلغ الرجال ومن ضيع الآداب فهو بعيد من حيث يظن القرب مردوده من حيث يظن القبول "وقيل من تحبسه الأنساب فإنما تطلقه الآداب". أي قال بعضهم من تحبسه الأنساب عن الارتقاء في المراتب تطلقه الآداب المرضية إلى أرفع المراتب، وبعد أن بين محل الأدب في الحياة بشكل عام رجع إلى التصوف فقال: "فالقوم بالآداب حقاً سادوا... منه استفاد القوم ما استفادوا".. القوم هنا هم الصوفية، أي ما ساد الصوفية وشرفوا إلا بالآداب وما استفادوا من العلوم والمعارف والأنوار والأسرار والكرامات الحسية والمعنوية إلا بالأدب ثم ذكر بعض آدابهم فقال: "إذ نصحوا الأحداث والأصاغر". الأحداث جمع حدث وهم من لم تنبت لحيته والأصاغر جمع صغير وهو هنا ما كان في السن دون الحدث، نبه على أن من أهم أخلاق الصوفية نصحهم الخالص لصغار السن والمُردَان أقول: مع ملاحظة احتياط الصوفية من صحبة المردان وخوفهم على قلوبهم وحالهم من هذه الصحبة فهم ينصحون مع احتياطهم لأنفسهم في عدم النظر وعدم الخلوة وفي الاحتياط في المصافحة وغيرها "وحفظوا السادات والأكابر". المراد بالسادات هنا العباد والزهاد والصالحون والعلماء العاملون والمريدون السالكون الذين لم يبلغوا رتبة المشيخة. والمراد بالأكابر ههنا المشايخ. وحفظ السادات والأكابر إنما يكون بالتوقير وبالاحتشام وبإعطاء الرتبة حقها من كل وجه. ثم ذكر آدابهم في الكلام فقال: "واجتبنوا ما يؤلم القلوبا". هذا أدبهم مع كل مسلم فلا يتكلمون مع مسلم بما يوجعه في قلبه ولو كان نصحاً فالوعظ إنما ينفع إذا كان على وجه الملاطفة والسياسة ويتأكد ترك ما يؤلم مع الزوجة والأهل وكذلك مع الإخوان ثم ذكر آدابهم في العمل فقال: "وابتدروا الواجب والمندوبا". أشار بذلك إلى كمال عبوديتهم وأنهم يبادرون إلى القيام بحقوق مولاهم واجبة كانت أو مندوبة ثم ذكر آدابهم مع الشيوخ والإخوان فقال: "وخدموا الشيوخ والإخوانا". خدمة المسلمين أمر عظيم في أصول السير إلى الله لما تخلفه في نفوس أصحابها من تواضع ولما تعمقه من مفهوم الذلة على المؤمنين وهو أصل من أصول الأخلاق في الإسلام من يم يعتد على خدمة فإن بينه وبين الذلة على المؤمنين حجاباً كثيفاً ولا شك أن خدمة الشيوخ لها فضلها الزائد لما فيها من توقير الكبار فضلاً وسناً، واعتاد الناس أحياناً أن ينكروا أو يستكبروا مثل هذا وهو إنكار في غير محله فقد كان ابن مسعود يخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أنس بن مالك متفرغاً لخدمته عليه السلام. إن الاستكبار عن خدمة الإخوان والشيوخ مسألة مرتبطة بالكبر والعنجهية وغير ذلك من أمراض ينبغي أن يجاهد الإنسان نفسه فيها "وبذلوا النفوس والأبدانا". أي في هذه الخدمة خدمة الشيوخ والإخوان. ثم بعد هذا ذكر آدابهم في العلم وغيره فقال: "وأنصتوا عند المذاكرات". بمعنى أن كلاً منهم يعطي أخاه فرصة أثناء المذاكرات العلمية حتى ينهي كلامه فإذا تم كلام المذاكر تكلم بما عنده من غير رفع صوت ولا خصام ولا خروج عن الأدب "واحترموا الماضي معاً والآتي". المراد بالماضي من تقدم من الصحابة والتابعين والأولياء والصالحين والعلماء العاملين فضلاً عن الأئمة المجتهدين واحترامهم ألا يذكروا إلا بإحسان وأن يعرف على ماذا يحمل كلامهم. والمراد بالآتي احترامهم لأهل زمانهم ولو جاؤوا بعدهم أو حتى من سيجيئون وهم في كبر في السن فلا ينظرون إلى الأجيال اللاحقة باحتقار بل يعرفون أن فضل الله لا حد له "وسألوا الشيوخ عما جهلوا". وذلك لأن طلب العلم فريضة على كل مسلم وهو معلوم من الدين بالضرورة وإنما يسألون عما يحتاجون إلى معرفته في الحال من عمل أو حال أو مقام "ووقفوا من دون ما لم يصلوا". أي أنهم لا يتحدثون عن مقام لم يصلوا إليه حديث الزاعم أو الموهم أنه وصل إليه أو أنهم لا يسألون إلا عما يلزمهم مما يناسب حالهم ابتعاداً بأنفسهم عن التكلف أو أنهم لا يتحدثون إلا عن علم فما لم يصل إليه علمهم يتوقفون فيه فهم يقفون عن الحديث في شيء لم يصلوا إلى علمه "وعملوا بكل ما قد علموا" فعلمهم عظيم وعملهم مكافئ لعلمهم إذ العمل هو نتيجة العلم فعلم بلا عمل وسيلة بلا غاية، ومن كلامهم: العلم يهتف بالعمل فإن وجده وإلا ارتحل ومن عمل بما علم أورثه الله علم ما لا يعلم "وآثروا واغتفروا واحتشموا". فهذه ثلاثة أخلاق من أخلاقهم في العلم وغيره فهم يؤثرون على أنفسهم في الكلام ويؤثرون على أنفسهم في صدور المجالس والمحافل وكل ما فيه تعظيم إلا إذا قدمهم غيرهم هذا فضلاً عن إيثارهم في اللقمة والمال والمنصب وغير ذلك وهم يحتشمون عن الكلمة غير العفيفة أو غير المهذبة في المذاكرة أو غيرها سواء هاجمهم غيرهم أو ترك الأدب فضلاً عن احتشامهم من أن يتصرفوا تصرفاً غير عفيف أو يقولوا كلمة غير حميدة. والمراد بالاغتفار المسامحة والعفو عن جفوة الإخوان الذين هم بعد في طور التربية والصبر على الغلظة في المذاكرة وغيرها " واحتكموا بالعدل والإنصاف". فهم يحتكمون للعدل والإنصاف ويحكمون إن حكموا بالعدل والإنصاف فيحكمون بالعدل على بعضهم بعضاً وعلى أنفسهم ومن توجه عليه حق من الحقوق أنصف وأذعن وانقاد للحق ولا يتعصب ولا تستغزه حمية الجاهلية. والإنصاف هو الاعتراف بالحق متى ظهر من غير توقف وكانوا يقولون: الإنصاف من شيم الأشراف "فوردوا كل معين صاف". الماء المعين هو الماء الجاري الذي لا ينقطع والصافي هو الذي لا تغيير فيه. والمراد أن الصوفية لما حكموا بالعدل واتصفوا بالإنصاف شربوا من العلوم أعذبها وأصفاها "وبعضهم كان ولبعض عوناً". تحقيقاً لقوله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى}. فيعين المسلم أخاه المسلم بنفسه وماله وجاهه وعلمه وهمته وحاله ومناصحته وموادته إلى غير ذلك. "يلقى لديه دعة وأمناً". الدعة: الراحة. والأمن: الأمان، أي كل منهم يلقى عند أخيه راحة في نفسه وأمناً على نفسه وعرضه وأمانته وسره ومقاصده "ينصره في الحق حيث كانا". تحقيقاً لقوله عليه السلام "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً قالوا يا رسول الله ننصره مظلوماً فكيف ننصره ظالماً فقال تأخذ على يديه فترده عن ظلمه" رواه البخاري. "فإن أساء قارضه إحساناً". أي فإن أساء صوفي إلى أخيه في قول أو فعل سامحه وبذل له إحساناً في مقابل إساءته فهو يبادله بالإساءة إحساناً تحقيقاً لقوله تعالى {ادفع بالتي هي أحسن}. ثم بعد أبيات يتحدث فيها عن قضية يظنها الناس أدباً وليست أدباً يقول "والقصد من هذا الطريق الأدب... في كل حال منه هذا المذهب". أشار في هذا البيت إلى أن الطريق مبنية على الآداب بل هي الهدف في الطريق فمن لا أدب له لا طريق له، وبالبيت الأخير تنتهي الفقرة التي عقدها صاحب المباحث الأصلية في الأخلاق والآداب وقد نقلنا بعض التعلقيات عليها مستأنسين بشرح ابن عجيبة لهذه القصيدة كعادتنا تقريباً حيث علقنا على ما ننقله من هذه القصيدة وبمناسبة شرح هذه الفقرة ذكر ابن عجيبة: يعني أن باطن الطريق هو محل تنزل الأحوال والمقامات وهي القلوب والأسرار لأنها باطنة لا يعلمها إلا الله والفرق بين الحال والمقام أن الحال يتحول فيذهب ويجيء بخلاف المقام فإنه رسوخ وتمكين قال في العوارف: كثر الاشتباه بين الحال والمقام واختلفت إشارات المشايخ في ذلك ووجود الاشتباه لمكان تشابهما في نفسهما وتداخلهما فتراءى للبعض الشيء حالاً وتراءى للبعض مقاماً وكلا الرأيين صحيح لوجود تداخلهما ولا بد من ذكر ضابط يفرق بينهما على أن اللفظ والعبارة عنهما تشعر بالفرق، فالحال سمي حالاً لتحوله والمقام مقاماً لثبوته واستقراره وقد يكون الشيء بعينه حالاً ثم يصير مقاماً مثل أن ينبعث من باطن العبد داعية المحاسبة ثم تزول الداعية بغلبة صفات النفس ثم تعود ثم تزول فلا يزال العبد حال المحاسبة تعاهده الحال ثم يحول الحال بظهور صفات النفس وتنضبط وتتملكها المحاسبة فتصير المحاسبة وطنه ومستقره ومقامه ثم ينازله حال المراقبة فمن كانت المحاسبة مقامه تصير له المراقبة حالاً ثم يحول عنه حال المراقبة لتناوب السهو والغفلة في باطن العبد إلى أن ينقشع ضباب السهو والغفلة ويتدارك الله عبده بالمعونة فتصير مقام المراقبة مقاماً بعد أن كانت حالاً ولا يستقر مقام المحاسبة قراره إلا بنازل حال المراقبة، ولا يستقر مقام المراقبة إلا بنازل حال المشاهدة فإذا منح العبد نازل حال المشاهدة استقرت مراقبته وصارت مقامه ونازل المشاهدة أيضاً يكون حالاً ويجول بالاستتار ويظهر بالتجلي ثم يصير مقاماً وتتخلص شمسه من كشوف الاستتار ثم في مقام المشاهدة أحوال وزيادات وترقيات من حال إلى حال أعلى منه كالتحقق بالفناء والتخلص إلى البقاء والترقي من عين اليقين إلى حق اليقين يقين نازل يخرق شفاف القلب وذلك أعلى فروع المشاهدة. (انتهى). وكذلك التوبة والورع والزهد والتوكل والرضى والتسليم تكون أحوالاً ثم تصير مقامات فما دامت مجاهدة فهي أحوال فإذا كانت ذوقاً فهي مقامات وقد قالوا: الأحوال مواهب لأنها موهبة من الله جزاء على الأعمال والمقامات مكاسب لأن التمكين منها مكتسب بدوام الأعمال وفي التحقيق كلها مواهب.

2- قال السلمي: وعلى كل جارحة آداب تختص به قال الله تعالى: {إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا}. وقال بعض المشايخ: حسن الأدب مع الله تعالى أن لا تتحرك جارحة من جوارحك في غير رضى الله عز وجل. فأدب اللسان أن يكون رطباً بذكر الله تعالى وبذكر الاخوان بخير والدعاء لهم وبذل النصيحة والوعظ ولا يكلمهم بما يكرهونه ولا يغتاب ولا ينم "يعني لا يمشي بالنميمة" ولا يشتم ولا يخوض فيما لا يعنيه وإذا كان في جماعة تكلم معهم ما داموا يتكلمون فيما يعنيهم فإذا أخذوا فيما لا يعنيهم تركهم وأمسك ويتكلم في كل مكان بما يوافق الحال فقد قيل لكل مقام مقال وقيل خلق الله اللسان ترجماناً للقلب ومفتاحاً للخير والشر وقيل إذا طلبت صلاح قلبك فاستعن عليه بحفظ لسانك والزم الصمت فإنه ستر للجاهل وزين للعاقل قال صلى الله عليه وسلم وله يكبُ الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم. وآداب السمع ألا تسمع الفحش والخنا والغيبة والنميمة والمناكر. وأنشدوا:

                   أحب الفتى ينفي المناكر سمعه                 كأن به عن كل فاحشة وقراً

 

بل يسمع الذكر والوعظ والحكمة وما يعود عليه بالفائدة ديناً ودنيا، ويحسن الإصفاء إلى مكلميه ومخاطبيه ملتذاً بذلك. وآداب البصر الفض عن المحارم وعن عيوب الإخوان وعن المنكرات وعن المحرمات فإن الله تعالى يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وقيل من طاوع طرفه تابع حتفه أي موته وفي رواية من أرسل طرفه مات حتفه وأنشدوا:

 

                   وإنك مهما ترسل الطرف رائداً                   لقلبك يوماً أتعبتك المناظر

                   ترى ما الذي لا كله أنت قادر                   عليه ولا عن بعضه أنت صابر

 

ثم قال السلمي: وقيل من غض طرفه تسم ظرفه، وقيل: من كثرت لحظاته دامت حسراته ويكون نظره بالاعتبار والاستدلال على قدرة الله تعالى وعظمته وجميل صنعه عارياً عن حظوظ النفس الأمارة بالسوء...وآداب القلب مراعاة الأحوال السنية المحمودة والتفكر في آلاء الله ونعمائه وعجائب خلقه قال الله تعالى: {ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار} [آل عمران: 19]. الآية ومن آداب القلب حسن الظن بالله وبجميع المسلمين وتطهيره من الظن والحسد والخيانة وسوء الظن وسوء المعتقد فإنها من الخيانة قال الله تعالى: {إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً} [الإسراء: 37]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم "إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح بصلاحها سائر الجسد وإذا فسدت فسد سائر الجسد ألا وهي القلب" رواه البخاري. وقال سري السقطي: القلوب ثلاثة قلب كالجبل لا يحركه شيء وقلب كالنخلة أصلها ثابت والريح يميل بها يميناً وشمالاً وقلب كالريشة يذهب مع كل ريح ولا يثبت.

وآداب اليدين: "البسط بالبر والإحسان وخدمة الإخوان وألا يستعين بها على معصية الله تعالى. وآداب الرجلين السعي بهما في صلاح نفسه وإخوانه ولا يمشي بهما مرحاً ولا يختال ولا يتبختر ولا يزهو فإنها مما يبغضه الله تعالى وألا يستعين بهما على المعاصي".

وأما الأخلاق فالمراد بها حسن الخلق مع كل مخلوق ومرجعها إلى الحلم والعفو والصبر أو تقول مرجعها إلى أن تعامل الخلق بما تحب أن تعامل به أو تقول: مرجعها إلى كف الأذى وبذل الفدا والإنصاف فيما ظهر وما بدا وحمل الجفاء وشهود الصفا ورمي الدنيا بالقفا وقال الغزالي: هو ملك النفس عند الشهوة والغضب ويرجع إلى ما تقدم.

3- بمناسبة قول المؤلف "فالقوم بالآداب حقا سادوا..." قال ابن عجيبة: قلت السؤدد: هو الشرف أي ما ساد القوم وشرفوا إلا بالآداب مع الله ومع رسوله صلى الله عليه وسلم ومع أشياخهم ومع سائر المسلمين، فالأدب مع الله بامتثال أمره واجتناب نهيه والاستسلام لقهره وقال الشيخ زروق رضي الله عنه في شرح الحكم: هو حفظ الحدود والوفاء بالعهود والتعلق بالملك الودود والرضى بالموجود وبذل الطاقة والمجهود، والأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم باتباع سنته وإيثار محبته والاهتداء بهديه والتخلق بأخلاقه والأدب مع الأشياخ بحفظ الحرمة وحسن الخدمة وصدق المحبة والأدب مع المسلمين بأن تحب لهم ما تحب لنفسك أو أكثر وتقدمت آداب الجوارح فلا بد منها وكذلك آداب الأوقات وهي تعميرها بالطاعات. فأوقات العبد أربعة كما قال الشيخ أبو العباس رضي الله عنه: وقت الطاعة ووقت المعصية ووقت النعمة ووقت البلية فوقت الطاعة مقتضى الحق منك شهود المنة ووقت المعصية مقتضى الحق منك تحقيق التوبة ووقت النعمة مقتضى الحق منك الشكر ووقت البلية مقتضى الحق منك الصبر فإذا قام العبد بهذه الآداب كلها حصل له الشرف التام والمنزلة الكبرى عند الخاص والعام.

4- وبمناسبة قول المؤلف "إذا نصحوا الأحداث والأصاغر..." قال ابن عجيبة: ونصحهم بغرس الخير في قلوبهم كما قال ابن أبي زيد في رسالته: وأرجى القلوب للخير ما لم يسبق الشر إليها. وقال السلمي رضي الله عنه والصحبة مع الأصاغر بالشفقة والإرشاد والتأديب والحمل على ما يوجبه حكم المذهب ويدلهم على ما يوجبه حكم المذهب ويدلهم على ما فيه صلاحهم لا على ما فيه مرادهم وعلى ما يفيدهم لا على ما يحبونه ويزجرهم عما لا يعنيهم.

5- وبمناسبة قول المؤلف "واجتنبوا ما يؤلم القلوبا..." قال ابن عجيبة: ويرحم الله القائل:

 

          إذا شئت أن تحيا ودينك سالم                  وجاهك موفور وعرضك صين

          لسانك لا تذكر به عورة امرئ                   فعندك عورات وللناس ألسن

          وعينك إن أبدت إليك معايباً           فصنها وقل يا عين للناس أعين

          وعاشر بمعروف وجانب من اعتدى   وفارق ولكن بالتي هي أحسن.

                                                                                                للشافعي

 

قال الشيخ زروق فهذه الأبيات جامعة لجميع ما يؤلم القلوب بطريق الاجتناب فمن عمل عليها سلم من هذه الآفات التي أصلها كلها التجسس عن أخبار الناس وسوء الظن بهم. (انتهى). ونختم هذا الفصل بكلمة ابن عطاء في الأدب. وبكلمة للجنيد "خف من وجود إحسانه إليك ودوام إساءتك معه أن يكون ذلك استدراجاً لك سنستدرجهم من حيث لا يعلمون، من جهل المريد أن يسيء الأدب فتؤخر العقوبة عنه فيقول: لو كان هذا سوء أدب لقطع الإمداد وأوجب الإبعاد فقد يقطع المدد عنه من حيث لا يشعر ولو لم يكن إلا منع المزيد. وقد يقام مقام البعد وهو لا يدري ولو لم يكن إلا أن يخليك وما تريد". ويقول الجنيد: "ما أخذنا التصوف عن القيل والقال والمراء والجدال وإنما أخذناه عن الجوع والسهر وكثرة الأعمال".

 

فصل في بعض آداب الشيوخ:

من أدب الشيوخ والمربين والدعاة أن يبدأوا مع الآخرين باللطف والإيناس والرفق قبل أي شيء ليصلوا إلى قلوبهم ويستكشفوا استعداداتهم ويزيلوا ما بينهم وبينهم من الحجب. فكثيراً ما يهجم المربي أو الشيخ أو الداعية على الآخرين بأنواع التكاليف وأنواع الطلبات فينفر الآخرون أو يفرون وفي ذلك من الخطأ في الأسلوب ما فيه بل ذلك يجافي الحكمة. إن هناك فارقاً بين مريد جاء إلى شيخ وطلب منه أن يقرأه كتاباً، إن مثل هذا لو بدأ معه في العلم مباشرة فذلك جيد ولكن أحياناً يأتي إنسان مسترشداً أو يبدأ إنسان مع مرب صلة جديدة ففي مثل هذه الحالة لو بدأت المسألة بالتعارف والسؤال والجواب والتعليق اللطيف ثم التكليف غير المرهق فإن ذلك يكون أجود في بعض الحالات وفي ذلك يقول الجنيد: إذا لقيت الفقير فلا تبدأه بالعلم وابدأه بالرفق فإن العلم يوحشه والرفق يؤنسه. وعلق الإمام الغزالي على هذا بقوله: وبرفق الصوفية بالمتشبهين بهم ينتفع المبتدئ الطالب وكل من كان منهم أكمل حالاً وأوفر علماً كان أكثر رفقاً بالمبتدئ الطالب". ومن آداب الشيوخ والمربين والدعاة أن يحاولوا نقل الإنسان ولو نقلة بسيطة في الخير فكل نقلة في الخير مهما كانت قليلة فإنها تدفع بالإنسان إلى الله لأن الله عز وجل أنه من تقرب إليه شبراً تقرب إليه باعاً وعلى هذا فأي زحزحة للإنسان من حال إلى حال أعلى منه مع النية الصالحة تدفع الإنسان نحو باب الله عز وجل. ولذلك فإن المشتغلين في الدعوة والتربية عليهم أن يلاحظوا دائماً قضية نقل الإنسان نقلة ما مهما كانت بسيطة لأن هذه النقلة قد تكون مقدمة لما هو أعلى منها وأرقى. ومن آداب الشيوخ: الإنصات الكثير لكل متكلم ومعرفة ما يصدق وما لا يصدق والتمييز بين من يصدق وبين من لا يصدق ثم حدود الموافقة للآخرين وهذا كله نأخذه من قوله تعالى: {ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين}. ومن قوله تعالى: {واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم}. فكل ما فيه مشقة بالمسلمين وإرهاق لهم لا يطيع فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أحداً وكان من أدبه عليه الصلاة والسلام أنه ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً". ثم إن الأدب الرئيسي للشيخ بعد التعليم هو التزكية والتزكية تدور بين تخلية وتحليه ومهمة الشيخ أن يبقي إخوانه دائماً في حالة ترق دائم وفي باب التحلية والتخلية أنت بين أمرين: إما أن تتحلى بخلق وتتخلى عن خلق ثم تنتقل إلى آخر وثم حتى تصل إلى الذروة وإلى الكمال وهذا طريق وإما أن تضرب بضربة واحدة أصل كل خلق ذميم وتتحقق بالأصل الذي ينبع عنه كل خلق حميد ثم يأتي كل شيء بعد ذلك ويكون الكمال وهذا طريق آخر. يقولون إن الاسكندر المقدوني قبل أن يبدأ فتح العالم مر على معبد وهناك قال له الكهنة إن العالم لا يفتحه إلا من استطاع أن يحل عقد هذه الكتلة من الخيوط المعقود بعضها ببعض فما كان من الاسكندر إلا أن ضرب الكتلة بسيفه فانحلت عقدها كلها وكذلك الشيخ الكامل إذا جاءه المريد الصادق فإنه بضربة واحدة يستطيع أن يحل له عقده كلها ليجعله ينطلق من جديد. إن أخصر طريق لتحقق النفس بكل كمال وتخليتها عن كل نقص أن توضع النفس في ظرف تتخلص فيه دفعة واحدة من ربوبيتها وتتخلق بعبوديتها متحلية بصفات الكمال وأعظم المربين هو الذي يستطيع أن يعرف كيف يضع المريد في نقطة البداية هذه وأصدق الطالبين من لا يبالي أن يفعل ما أمر به في سبيل الوصول إلى هذا...

ولنشرح المسألة: حضيض الأخلاق السافلة، الكبر والعجب والرضى عن النفس إذ عن هذه الأخلاق تنبع كل رذيلة فمتى كان في القلب شيء من هذا حجب عن الحق وعن قبوله وحجب عن الانتفاع وحجب عن الله وآياته وبدون أن يتخلص القلب من هذه الأمراض فلا فائدة ترجى منه ولا يتوقع أن يتفجر خيره بل كل خلق سيء يمكن أن يتراكم عنده، الحسد والحقد والعدوان والغل والبغي والصد عن سبيل الله وغير ذلك كثير ويكفي للتدليل على ذلك قوله تعالى:{سأصرف عن آياتي الذي يتكبرون في الأرض بغير الحق...} وإذاً فالطريق الأخصر هو أن يتخلى الإنسان عن هذه المعاني كلها دفعة واحدة وبداية ذلك أن يكون عنده استعداد للتلقي فمن رضي أن يكون تلميذاً وأن يضع نفسه في حجر التربية فإنه يتخلى مباشرة عن قسم كبير من هذه المعاني فإذا كان المربي عارفاً بالله عالماً بالشريعة خبيراً بأمراض النفوس أشار عليه بأمر ما أو ألزمه إياه فحرره من البقية الباقية من هذه المعاني من نفسه كأن يأمره بخدمة إخوانه أو يأمره بالتواضع لخلق الله والجلوس حيث انتهى به المجلس أو يأمره بالتلمذة على من دونه أو على مخالفة نفسه، فإذا فعل طالبُ اللهö مثلَ هذا فإنه مباشرة يتحرر من كل قيد ويصبح وقد أسقط الخلق من اعتباره ولم يعد يرى إلا الخالق لينطلق مباشرة بقلب جديد. إن هذه مهمة الشيخ الأولى ثم تأتي بعد ذلك مهماته الأخرى ولكن هذا الطريق لن يتم له إلا إذا وجد صدق عند المريد، إن أكثر الناس لا يجتمع لهم العلم والشعور والعمل أو العلم والحال ولا يعرفون الطريق لاستكمال كل من هذه. وهذا باب من الجهل عظيم ولا نقصد طبعاً العلم بالدنيا إن هناك علماً بالله وعلماً بشريعته ومع وجود علم الله وعلم بشريعته لا نجد تقوى أحياناً وإذا وجدت تقوى فلا نجد كمالاً في الأخلاق فما السر في ذلك؟ السر يعود إلى أن العلم بالله لم ينتقل من إطاره الفكري والعلمي إلى إطاره الذوقي والشعوري وإذا لم ينتقل إلى إطاره الذوقي والشعوري فإنه لا يكون موجهاً التوجيه الكامل وعجز المربين أحياناً يكمن في كونهم لا يعرفون الطريق إلى نقل الإنسان من العلم الاستدلالي بالله إلى العلم الشعوري به جل جلاله ومن ثم يبقى فارق كبير بين العلم والشعور {واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه} بين العلم والشعور والعمل المتناسب معهما وقد لا يكون السبب عجزاً في المربي وإنما زهد في الناس لعدم المعرفة بالقيمة الحقيقية للأشياء فمن كانت عنده أعلى قيمة في هذا الوجود لمعرفة الله وكان يعلم أن ما يزيده معرفة في الله يشترى بالأرواح مثل هذا قريب أن يحصل، أما من كانت قيمة هذه المعاني عنده قليلة فأنى له أن يبذل لذلك جهداً أو أن يعمل أن في ذلك عملاً. ولننتقل من هذه التعميمات إلى الجواهر: أن تعرف أن الله سميع وبصير وقدير هذا فرض الفروض عليك ولكن أن تشعر بأن الله يسمعك ويراك وأن كل شيء في هذا الكون فعله الله ثم أن يرى قلبك أن أفعالك كلها فعل الله هذا أثر صحيح للمعرفة الأولى.

إن مشكلة كثير من الخلق أن إحساساتهم القلبية تقف عند حد واحد لا تتعداه ومهمة المربي أن ينقل الإنسان في عالم الإحساسات من مرحلة إلى التي تأتي بعدها بشكل تلقائي وألا يبقيه عند إحساسات أدنى مع وجود إحساسات أعلى منها إن هذا هو طريق التربية الصحيح وهذا هو الطريق لاستكمال شرط العمل الصحيح فبقدر المعرفة الشعورية لله يكون الالتزام بأمره بقدر ما تعرف أن كل شيء فعله تتحقق بالتوكل وبقدر ما تعرف أن ما سواه فان يكون الإخلاص له وبقدر ما تعرف جلاله تخشى معصيته وبقدر ما تعرف من حماله تطيعه والشيخ مهماته تدور في هذه الدوائر أولاً فإذا فشل في هذه الدوائر فإنه على غيرها كذلك عاجز... إن مهمة الشيخ الأولى التعليم والتزكية وهذا يقتضي جهداً وترتيباً وتنظيماً لكثير من الأمور فالسير لا بد في من المذاكرة الدؤوب والحكمة الملهمة عند المربي، وتمر على الطالب فترات من الفتور وفترات من النشاط وفترات من الجدب الروحي وفترات من غلبة الشهوة ومن ثم كان الاجتماع العام وحضور الاجتماع العام ضرورياً لتأخذ روحه من أرواح إخوانه ويمتص قلبه من أحوال إخوانه وليسمع ما يستجيش بواعث الطموح نحو الربانية في قلبه فللاجتماع بركة خاصة وسكينة خاصة وتجليات خاصة... إذا اتضح هذا كله فهل للوصول إلى هذه المعاني طريق خاص وذكر خاص؟ الذي عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه والذي تؤيده السنة ويشهد له حال الأمة أنه ليس لذلك ذكر بعينه بدليل أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما كان يلقن ورداً بعينه لكل صحابي وبدليل أن الطرق الصوفية لكل منها وردها مع أنها تقول إن النهاية واحدة فالمسألة إذن ترجع إلى حكمة المربي واستعداد الطالب وحاله فلكل ذكر آثاره في النفس والأنفس مختلفة والمهم أن يكون المربي عارفاً بتأثير كل ذكر على حال الإنسان وأن يعطي لكل إنسان ما يناسب حاله الذي هو فيه وأن يلفت نظره إلى أن يلاحظ ما تنبغي ملاحظته... فإذا أمره بلا إله إلا الله مثلاً يلفت نظره إلى معنى من معاني لا إله إلا الله مرة وإلى معنى آخر مرة أخرى أو بأمره بملاحظة المعاني واحداً بعد واحد في الجلسة الواحدة وإذا أمره بذكر اسم الله / الله / يأمره بملاحظة أن يقرأ الوجود الظاهر كله بهذا الاسم ثم يقرأ الوجود الغيبي كله بهذا الاسم ثم وثم. هذا كله من مهمات الشيخ الأولى ولكن له بجانب ذلك ومع ذلك وفوق ذلك مهمات. أن يربي المسلم على أنه جزء من أمة وأن يربيه على القدرة على الكون في الصف الإسلامي الواحد ثم أن يكون هو وإياه في هذا الصف سائرين في الطريق لتحقيق الأهداف الاسلامية على كل مستوى وتحمل ما يقتضي ذلك من تضحيات ومحن وما يستلزم ذلك من صراعات وأدوات صراع وبصر دقيق في مستلزمات ذلك. إن هذا كله أدب الشيخ بل واجبه، وفي مقابل ذلك فإن المريد لا بد أن يتحقق بالصدق في الطلب وأن يملك حسن الأدب وأول ذلك الاحترام الكامل الذي لا يمنع من قولة حق بل من النصيحة الخالصة يقدمها للشيخ. فنحن أمة يجمعها أدب احترام الصغير للكبير ورحمة الكبير للصغير في إطار النصيحة الخالصة فيما بين الجميع. والشورى الواسعة التي هي أدب الجميع مع ملاحظة أن لكل قضية دائرة من الشورى بحسب هذه القضية.

 

"فصل في الأخلاقية العامة للصوفي":

قال صاحب المباحث: "ونسبوا الصوفي للكمال" وذلك لوراثته العلم والعمل والحال وأخذه الكمال من مقامات الإسلام والإيمان والإحسان والتقوى والشكر أخذ من مقام الإسلام أعلى درجات العمل وأخذ من مقام الإيمان أعلى درجات اليقين والاطمئنان وأخذ من مقام الإحسان أعلى مراتب المراقبة والمشاهدة وأخذ من مقام التقوى كمال الاستقامة على أمر الله وأخذ من مقام الشكر خالص العبودية الظاهرة والباطنة "وضربوا معناه في المثال". وضربوا للصوفي أمثلة شبهوه بها تعبيراً عن تحصيله لهذا الكمال وهي ما سيأتي "فهو كالهواء في العلو". أي الصوفي كالهواء في اللطف وفي احتياج الخلق له مع عدم شعورهم بوجوده تقريباً فتصرفاته في غاية اللطف وفي غاية البساطة والناس في غاية الاحتياج إليه ولا يكادون يحسون به إلا عند فقده لكثرة اللطف وعدم التكلف وانسجام الفعل مع العقل والفطرة والسلوك القريب إلى النفس ثم هو كالهواء من حيث ارتفاعه عن الأرض مع مخالطته لها فهو مع أبناء جنسه من بني البشر ولكنه في علو الهمة وفي الإقبال على الله مباين للآخرين مرتفع عنهم لا مترفع وشتان بين الحالين "ثم كمثل الأرض في الدنو". فهو كالأرض للمسلمين يطؤونها وتتحملهم وتعطيهم من ثمارها الخيرة بل يطرح عليها كل قبيح وتعطي المليح فالصوفي في غاية التواضع وفي غاية الحلم وفي غاية التحمل وفي غاية العطاء "ثم كمثل النار في الضياء". أي هو كالنار في كونها تضيء من ناحية ومن ناحية أخرى تحرق ما يلقى فيها فالصوفي ينير للخلق الطريق ويحرق كل الأخلاق الرديئة في نفسه كما أنه يحرق من خلال الكلمة والقدوة والتوجه الأخلاق الرديئة عند كل من يخالطه أو يصحبه أو يتتلمذ عليه. "ثم كمثل الماء في الأرواء". فالصوفي يروي القلوب الظمأى إلى الخير المحتاجة إلى الري بالإيمان واليقين ويروي الأرواح الظمأى إلى معرفة الله والعبودية له. ويروي العقول الظمأى إلى الحقائق الخالصة، فالصوفي الكامل إذن هذا شأنه في لطفه وتواضعه وإنارته للطريق لخلق الله وريه لمريدي وجه الله عز وجل.

 

"فصل في طريقه حكيمة في الدعوة إلى الله":

كان بعض شيوخنا يرى أنه في عصرنا ينبغي أن نلاحظ أمراً مهماً في الدعوة إلى الله من أجل إرجاع المسلم إلى إسلامه. إن هناك كثيراً من الحالات يصادفك مسلم قد عقدته أشياء كثيرة حتى كاد الكفر أن يسرقه أو سرقه فعلاً فلم يبق له من الإسلام إلا الاسم، وفي كثير من الأحيان لا تجد فرصة لتقول لهذا الانسان شيئاً ثم نحن الآن في مرحلة ضعف فكان الشيخ ينصحنا أن نستعمل سلاح الإحسان، فالإحسان هو الذي يستخرج الخير من قلب الإنسان إن كان فيه خير، ومن الإحسان التحمل والصبر، ولقد كان من خلق رسولنا عليه السلام أنه لا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلماً، إنه من خلال الإحسان يمكن أن نصل إلى بعض القلوب ومن خلاله نستطيع أن نقول كلمة أو نخفف حقداً ويكون ذلك كله وسيلة هداية. ولا بد من الإخلاص في هذا الشأن وغيره لا بد من ملاحظة أدب الوقت وحق الوقت وواجب الوقت ثم حكم الله في موقفنا المناسب من كل حالة. إذ ذكر علماؤنا أن الدعوة إلى الله بدايتها البيان ثم الوعظ ثم التعنيف ثم وثم وهذه النصيحة تصلح كمقدمة للبيان في بعض الحالات وتصلح إذا كان حق الشرع يقتضي منا ذلك، ولكن قد يكون حق الشرع في بعض الحالات أن نهجر أو نعنف أو غير ذلك وكل ذلك ينبغي أن يراعى، ولا يوفق إلى أن يضع الأمور في مواضعها إلا حكيم ولا حكمة إلا بتوفيق الله عز وجل.

 

"فصل في خلق عظيم يحرص عليه الصوفية":

من العبارات الصوفية المشهورة "الصوفية بخير ما تناكروا". هذه العبارة من أشهر العبارات المتوارثة في حلقات التصوف والمعنى أن الصوفية بخير ما أمر بعضهم بعضاً بالمعروف ونهى بعضهم بعضاً عن المنكر، أي هم بخير ما لم يسكت أحدهم عن منكر أخيه فضلاً عن سكوته عن منكر الآخرين والحقيقة أن المسلمين جميعاً لا يكونون بخير إلا بهذا الخلق فالله عز وجل قال: {والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}. فلا فلاح للإنسان إلا إذا اجتمع له إيمان مع عمل صالح وتواصن بالحق وبالصبر. فالتواصي بالحق والتواصي بالصبر أحد أركان النجاة عند الله عز وجل ولقد استحق اليهود اللعنة من الله بتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما بينهم وقد أنذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم باستحقاقنا للعنة الله عز وجل وتشتيت قلوبنا كما حدث لليهود إذا لم يأمر بعضنا بعضاً بالمعروف ولم ينه بعضنا بعضاً عن المنكر إن من سنة الله عز وجل أنه لا يؤلف بين قلوب عباده إلا إذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خلقاً من أخلاقهم قال الله عز وجل: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله} [التوبة: 72]. فمن اجتمعت لهم هذه الصفات فقد وعدوا من الله عز وجل بالرحمة التي من آثارها وحدة القلوب على الله عز وجل: قال تعالى: {ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك} [هود: 119]. فالمحرومون هم الذين لا يختلفون، ولا مرحومين هذه الرحمة الخاصة إلا من اجتمع له مجموعة أخلاق من جملتها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فأين هذا من حال الناس اليوم حتى في دوائر العاملين للإسلام، وهذا مظهر من مظاهر الخلل، أما في دوائر الصوفية فالأمر في كثير من الأحيان يكون على عكس ذلك فبدلاً من أن يربى الإنسان على  الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة يربى على التسليم لحال الشيخ حتى لو رآه المريد على المنكر، وبدلاً من أن يعرف المريد على المعروف كله وعلى المنكر كله من خلال العلم الصحيح فإنك تجد الجهل بالمعروف والمنكر عاماً وطاماً في بعض الدوائر لدرجة يصبح فيها المعروف منكراً أو المنكر معروفاً وما أصعب ذلك وما أبعده عن هدي دين الله عز وجل، ولهذا كله فإنه لا بد من عودة كاملة إلى هذا الخلق حتى يأخذ طابع البديهية والعادة في الفكر والسلوك فيصبح الواحد منا بكل بساطة يقول لأخيه هذا خطأ يا أخي ويقول له الآخر: جزاك الله خيراً يا أخي وبكل أدب يقولها الصغير للكبير وبكل إخبات للحق يقبلها الكبير ولو جاءت على لسان الصغير، وبكل رحمة يقولها الكبير للصغير وبكل فرح يقبلها الصغير من الكبير وأما الشيخ فينبغي أن يهش لذلك ويبش ليعود المريدين على ذلك ولا بد للجميع من أن يقفوا موقفاً حازماً من المنكر حتى ينتهي مهما كلفنا ذلك مع ملاحظة أنه ينبغي أن يزال المنكر بالطريقة الحكيمة التي لا يترتب عليها منكر أكبر وألا يتجاوز في الإنكار الحدود الشرعية، ولحجة الإسلام الإمام الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين بحث عن المنكر ما أظن أن الإنسان يعثر على مثله في بابه فليراجع.

 

"فصل في بعض آدابهم في الطعام":

من كلام صاحب المباحث الأصلية في هذا الموضوع: "وأدب القوم لدى الطعام". "فمنه ترك الاهتمام". أي آداب القوم عند تناول الطعام أو قبله كثيرة: فمنها عدم اهتمامهم به قبل الحاجة إليه إلا إذا كان على الإنسان مسؤولية في شأنه لغيره "وقله الذكر له إن غابا". أي من آدابهم قلة ذكر الطعام قبل حضوره لأن ذكره دليل تعلق النفس وتشوقها إليه "لكونه عندهم حجاباً". أي لأن ذكره حجاب عن أشياء كثيرة باشتغال النفس فيه لو لوعها به طلباً وذكراً فأن يكثر الإنسان من ذكره فذلك انشغال وتضييع لأوقات كثيرة في غير مهم هذا عدا عن كون ذلك من علامات ضمور الهمة وعدم المبالاة بالمروءات "بل أنزلوه منزل الدواء، عند العليل بغية الشفاء". أي أن الصوفية أنزلوا الطعام والشراب منزلة الدواء لقيام هذا البدن فلا يتناولون منه إلا قدر شفائه وهو ما به قوامه أخذاً من الحديث الصحيح "بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه". فلا يتناولون منه إلا قدر قوام البدن ولا يذكرونه ولا يهتمون به إلا قليلاً اشتغالاً عنه بما هو أهم من ذكر أو فكر أو شهود أو معاملة ظاهرة وإذا تناولوه قصدوا به التقوي على طاعة الله "ولم يكن همهم بجمعه... وكسبه وفضله ومنعه". إذ أن هم السائر إلى الله الوصول إلى الله والوصول إلى رضوانه كما أن من آدابه أن يلحظ في كل عمل من أعماله أن يكون عمله كله طاعة لله وتنفيذاً لأمره جل جلاله فإذا أصبح تأمين الطعام في حقهم أو في حق عيالهم فرضاً أو واجباً أو سنة فهم عندئذ يعملون ملاحظين ذلك. قال ابن عجيبة "ومن اشتغل منهم بشيء من الأسباب فإن ذلك قياماً برسم العبودية وإن حصل منها شيء كانوا فيه أمناء على وجه أنهم خزان المملكة يترصدون سدّ الخلل فيمسكون ما أمروا بإمساكه ويرسلون ما أمروا بإرساله والمراد بالفضل في البيت زيادات الطعام فليس همهم زياداته وليس همهم بمنع الطعام عن خلق الله بل في غير ذلك مما ذكرناه "ولا استقلوه ولا عابوه". أي من آداب القوم عند حصول الطعام ألا يستقلوه بأن يصغروه ومن آدابهم ألا يعيبوا طعاماً تحققاً بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ففي الحديث ما عاب رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاماً قط كان إذا اشتهاه أكله وإلا تركه" (متفق عليه). فهم لا يحتقرون الطعام ولو كان قليلاً في الحسن أو رديئاً فمن آدابهم أن يتلقوا القليل من صاحبه الذي أتى على يديه بالبسط والفرح والتعظيم والتكثير والتبريك ويبتدئون بأكله قبل غيره تطيباً لخاطر صاحبه ورفقاً بقلبه وكذلك يفعلون في الطعام الخشن أو الرديء "ولم يكن قصداً فيطلبوه". أي أن الطعام عند الصوفية لم يكن مقصوداً لعينه فإنهم لا يطلبونه على وجه يصبح هدفاً في حد ذاته كحال الجشعين والشهوانيين "والقوم لم يدخروا طعاماً". وهذا ذروة الأدب في شأن الطعام وغيره. قال تعالى: {ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو}. فالصوفية المتقدمون في شأن الطعام وغيره، كانوا يأخذون قدر حاجتهم في الوقت ويتصدقون بالزائد... وقد اختلف اجتهاد المتأخرين منهم بعد انتشار الحرام وشح الناس وتعطل الأحكام في المجتمع الإسلامي حتى اعتبر بعضهم أن استفتاء الشيخ عن مريديه من أخلاقه وذلك لا يتأتى له إلا إذا كان ذا مال وهم في الأصل لا يحرمون الإدخار فرسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدخر قوت تقدر لسنة في أخريات حياته عليه الصلاة والسلام فالموضوع إذن له أحواله المتعددة والفتوى تقدر زماناً ومكاناً وشخصاً "بل تركوا الحلال والحراما". تركوا الحرام تقوى وتركوا التوسع في الحلال ورعاً. قال ابن عجيبة: فتركوا الحلال زهداً وتركوا الحرام تقوى وتركوا المتشابه ورعاً "إلا يسيراً قدر ما تيسرا". أي إلا قليلاً من الحلال بالقدر المتيسر والذي دعاهم إلى التقلل حتى من الحلال تعذر الحلال المحض بسبب فساد المعاملات وضعف الفقه في الحلال والحرام عند أكثر الخلائق وقلة الورع ولذلك قال "إذ الحلال المحض قد تعذرا". الحلال المحض هو الخالص الذي لا شوب فيه ولا اختلاف، أو هو الحلال بالنسبة لعلم الله وذلك لم يكلفنا به الله عز وجل، ولما كثر الفساد وأصبح هذا النوع من الحلال الخالص قليلاً فإن الصوفية ألزموا أنفسهم بأن يأكلوا ضمن حدود الحاجة فيما لم يعلموا حرمته قطعاً وما أكثر هذا النوع، قال ابن عجيبة: وكثيراً ما يجري على ألسنة المتدنيين أن الحلال ضالة مفقودة أو معدوم وهو أمر يجعلونه عكازاً للاسترسال وأخذ كل ما والاهم. بل الحلال موجود ولو لم يكن موجوداً في كل زمان ما كلفنا بطلبه ولا انقطع أولياء الله إذ هو قوتهم وذلك باطل وإذا حرمت الكل حللت الكل وكل من بيده شيء يستأنف فيه حكم الله، ومن كلام ابن عجيبة: إذا فقد أي الحلال رأساً أقيم من عشرة أشياء: تجارة بصدق وإجازة بنصح وأعشاب الأرض غير المملوكة وهدية من أخ صالح وصيد البر حيث يباح وصيد البحر ومهر النساء بطيب نفس وقسمة المغنم على وجه شرعي والميراث على  أصل مجهول والسؤال عند الحاجة". أقول وللغزالي في إحيائه بحث نفيس في قضايا الكسب فليراجع ويمكن أن يتوصل إلى المال الحلال عن طرق أخرى غير التي ذكرها الشيخ وبعض العلماء قالوا: إن المال الحرام لا يتجاوز ذمتين فإذا وصل انسان إلى مال حرام ولم أعرف عينه ثم انتقلت ملكية هذا المال إليّ بطريق مشروع حتى بالهدية فإن هذا المال في حقي حلال على رأي هؤلاء ولذلك فإن أكثر العلماء مذهبهم عدم التدقيق في السؤال عن أصل الأشياء ولذلك ذهبوا إلى أن الحلال ما جُهل أصله "وجنبوا طعام أهل الظلم... والبغي والفساد خوف الإثم". قال ابن عجيبة: "أهل الظلم هم ملوك الجور والعمال المضروب على أيديهم وأهل البغي هم السراق والمحاربون وأهل الفساد من يتعامل بالربا وبالعاملة الفاسدة ولا يتحاش من الحرام". وقال الشيخ زروق "وأما تجنبهم طعام الظلمة ونحوهم فلوجوه "أحدها" ما في إرضائهم من الموالاة التي لا تحل أي لأنهم يفرحون بأكل طعامهم من أهل الصلاح والخير مع ما هم عليه من الظلم ما لم يخش الضرر الواضح "الثاني" ما فيه من تسلطهم على المنتسبين إما بسوء الظن بالجهل لاعتقادهم حرمة ما بأيديهم وأن من يأكله لا خلاق له فيستهينون بهذا الشخص بل بكل أهل جنسه يجعله حجة على غيره فمن لا يقدر أن يتوسع توسعه لورع أو ضيق حظيرة أي ضيق دائرة معرفته فيقول له فلان أكبر منك أكل طعامي وما تكون أنت منه فيؤذي ذلك "الثالث" ما فيه إعانتهم على ما هم فيه إذ يرون أنفسهم حينئذ أنهم من أهل الخير "الرابع" ما في ذلك من ميل النفس لهم ومحبتهم، حكى أبو نعيم في حليته أن ابن المبارك دخل على الخليفة فوعظه وذكّره فأعطاه مالاً فاشترى به عبيداً فأعتقهم فقال له محمد بن واسع في ذلك فقال له: ذكّرتهم بالله ووعظتهم وأخذت منهم مال الله وصرفته في وجهه فقال محمد ابن الواسع (الله) قسم قلبك الآن لهم كما كان؟ قال: لا. فاستغفر رحمه الله على الجميع "الخامس" ما في ذلك من تناول الشبهة من غير ضرورة فقد قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه: من كان من فقراء هذا الزمان مؤثراً للسماع أكولاً لأموال الظلمة ففيه.

نزعة يهودية قال الله تعالى "سماعون للكذب أكالون للسحت". هل باختصار "السادس": ما يلحقه بسبب ذلك من الذلة وتغيير الحال كما اتفق لكثير من الناس واتخذو بعضهم أي بعض الكبراء سياسة فإذا رأي فقيراً ستظهر عليهم بالقوة وخافوا دعوة أو غيرها والوه واحتالوا عليه حتى يدخل في أيديهم فلا يمكنه التعزز عليهم وقد كان بعض مشايخ المغرب يقول: الفقير لا يمشي بالليل ولا يهرب بالنهار إن رأى ما يخاف ولا يأكل طعام الظلمة (قلت) لأن هذه كلها تورث الذل. "السابع" ما في ذلك من فتح باب التشويش باعتقاد الناس أن له عندهم جاهاً فيتوجهون له بطلب الشفاعة وذلك أمر لا يمكنه استيفاؤه وقلما تعلق به رجل فسلم في ديانته والله تعالى أعلم وهذا كله ما لم تكن ضرورة والمرء فقيه نفسه "بل أكلوا مما استبان حله غير الذي لا يعرفون أصله" قال ابن عجيبة: يعني أن القوم لا يأكلون إلا ما ظهر حله وتحققت اباحته لا يأكلون مما لا يعرفون أصله هل هو حلال أو حرام ولعل ذلك مع قيام الريبة والشك. أقول وقد مر معنا هذا الموضوع من قبل فراجعه.

 

          "ولم يكونوا كرهوا الكلاما              عليه لكن كرهوا الارغاما"

 

قال ابن عجيبة: الكلام على الطعام حسن لأن السكوت على الطعام يدل على الشره. والنهمة ويستحب أن يكون بعلم أو بحكايات الصالحين ويكون الكلام بعد بلع الطعام لا في حال مضغة لأنه ربما يخرج شيء من فمة فيسقط في الطعام فيقذره على غيره فلا يتكلم الآكل ما دام الطعام في فمه وقد ذكر عن بعض المشايخ أنه استحب أن يسمى عند كل لقمة ويحمد عند ابتلاعها قال ابن الحاج وهذا أمر حسن لكن السنة لم ترد به وهي أحسن من كل ما سواها فلم يكن القوم يكرهون الكلام في حال الطعام ولكن كانوا يكرهون الإرغام أي التمتم على الإخوان في الأكل لما في ذلك من التكلف المنهي عنه بل الأدب في ذلك تركه يفعل ما يشاء وقد يكون قولك له سبباً في رفع يده حياءاً وإذا شعر صاحب الطعام أن ضيوفه يخجلون من الأكل عند حضوره فإنه يحاول أن يتغيب بحجة عمل أو غيره ليعطيهم فرصة يأخذون فيها حريتهم:

 

                   ويكرهون الأكل مرتين                 في اليوم والمرة في اليومين.

 

المراد باليوم هنا النهار. قال ابن عجيبة والمراد باليوم بياض النهار من الفجر إلى الغروب. وقال: ويفهم من كلام الناظم أن الممدوح هو الأكل مرة في اليوم يعني مرة في النهار ومرة في الليل وهو الوسط وأن الأكل مرة في اليومين تفريط كما أن الثلاثة في اليوم إفراط. قال الشيخ زروق: وهذا حكم من اعتدل مزاجه أو قارب فأما من انحرف إلى حد الإفراط أو التفريط فلا ينبغي أن يهمل حكمه بل يعمل بما يصلحه من غير إخلال ولا بعد عن الحق فإن الشبع المفرط الذي يفسد المعدة ويضيع الطعام من غير احتياج محرم والذي يثقل الأعضاء ولا يفسد شيئاً مكروه على خلاف فيه، والأولى بالشخص ألا يأكل حتى يجوع متوسطاً وهو الذي يشتهي ما يقوم به أوده أي قوامه من معتاد طعامه ولا يفرط إلى أن يشتهي كل خبز فإنه مضر بالفكرة مخل بالقوة ولا يفرط بحيث يأكل بالتشهي وهو طلب الطعام مقروناً بالشهوة، أقول يمكن أن يستأنس للأكل مرتين في الأربع والعشرين ساعة بالقياس على الصيام فأكلة للسحور وأكلة للفطور، ويقول تعالى في وصف حال أهل الجنة: {ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً}. وعلينا أن نلاحظ أنه ليست العبرة في أن يكون أكله بالليل أو النهار فإن بعض البلدان قد يكون نهارها ثلاثة وعشرين ساعة فالعبرة إذن أن يكون لنا في الأربع وعشرين ساعة أكلتان وهذا من باب الأدب ونلاحظ في حياة العرب بشكل عام قبل الإسلام وبعده أن لهم شربتين: شربة الصباح ويسمونها صبوحاً وشربة الليل أو المساء ويسمونها غبوقاً، وشرابهم في كان الحليب وقد وردت في نصوص السنة اشتقاقات الغبوق الغبوق وورد في صحيح السنة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يشرب آخر سهره وقد اعتاد الناس في زماننا على شرب الشاي والقهوة بحليب أو غير حليب في كثير من الأوقات فإذا استطاع الإنسان أن تكون له أكلتان رئيسيتان في الأربع والعشرين ساعة وشربتان مساعدتان في الأربع والعشرين ساعة مع الاعتدال في كل ذلك فإنني أرجو ألا يكون بأس في ذلك ولا شك أن أهل عصرنا توسعوا في الطعام والشراب حتى ظهر فيهم السمن وأصابتهم الأمراض ولذلك لا بد من عودة إلى السنة في شأن الطعام ولا شك أن كثرة وجبات الطعام فليلاحظ ذلك وليلاحظ مجموع آداب المسلم في هذا الموضوع وغيره فإذا دعي المسلم فلذلك آدابه والوضع العادي له آدابه والوضع الاستثنائي له آدابه والإسراف دائماً حرام أو مكروه على حسب درجته.

 

                   وفضلوا الجمع على الإفراد                     فيه لأجل كثرة الأيادي

 

فهم إذن يفضلون الأكل جماعة على الأكل فرادى لتحقيق سنة تكثير الأيدي على الطعام وفي ذلك من التماس البركة الحسية والمعنوية ما فيه كما أن فيه مراناً على العفة وعدم الحرص والشره لأن أكل الإنسان منفرداً دليل على البخل أو الحرص أو النهمة إلا لضرورة شرعية أو ضرورة عادية ويلاحظ الانسان من يأكل معه فقد قال الجنيد: "المؤاكلة مراضعة فانظروا من تآكلونه" "ولم يلقم بعضهم لبعض" أي أن الصوفية لم يكن من عادتهم أن يلقم بعضهم لبعض على وجه الملاعبة لما فيه من قلة الاحتشام والتوقير أما إذا كان على وجه التبرك أو الإيناس فلا بأس به بل قد يكون أحياناً أدب الوقت". "ولم يجل بصره بل يغض". من آداب القوم ألا يمدوا أبصارهم إلى من يأكل معهم بل يغضون أبصارهم وينظرون أمامهم لما في إجالة البصر من إخجال الآكلين خاصة وأن هيئة الانسان أثناء الأكل نوع عورة لا سيما إذا كان كبير السن:

 

                   ولم يروا فيه بالانتظار                فيذهب الوقت بلا تذكار

 

أشار في هذا البيت إلى أن مذهب الصوفية إذا حضر الطعام بادروا إليه بالأكل ولم يكن رأيهم فيه انتظار من كان غائباً بل يعزلون حقه ويأكلون حتى لا يضيع الوقت سدى. أقول: وهذا حيث لا كلفة أو كان هناك موعد "وكرهوا البطنة للإخوان". البطنة هي امتلاء البطن من الطعام، أخبر المؤلف أن الصوفية كرهوا الشبع أو الزائد فوقه إلى حد لا يضر وإلا حرم وعلل هذه الكراهية بقوله "فالبطن كالوعاء للشيطان". أشار بهذا إلى الحديث "أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم" (متفق عليه). ومراد المؤلف أن الشيطان من خلال ملء المعدة يصل بالإنسان إلى كثير من مراداته فكأن المعدة هي الوعاء الذي يضع فيه الشيطان أمنياته التي يريدها من الإنسان "وأمروا فيه بفتح الباب". أي فتح باب المنزل الذي يأكلون فيه ليدخل عليهم كل من يحتاج إلى الأكل وذلك من كرمهم وغنى قلوبهم فهم لا يدفعون من يأتيهم بل يقابلونه ويفرحون به وربما رأوا المنة عليهم في أكله معهم بل يعتقدون أنه هدية من الله إليهم لا سيما إن كان من إخوانهم أو من ذوي الحاجة، والمسألة على كل حال من باب الآداب وقد يوجد من الموانع من الأدب ما هو الأقوى من الأدب فيحول بين الإنسان وتطبيق الأدب والفتوى تقدر زماناً ومكاناً وشخصاً فمثلاً من كان مهيئاً طعاماً لعدد مخصوص ولا يسعه أن يؤمن لزائد عنهم فإن حقهم يتأكد على حقوق غيرهم "وأكلوا بالقصد والآداب". الأكل بالقصد أي من غير إفراط وتفريط فلا يزيد على الشبع المعتاد بل يقصر عنه ولكن لا إلى الحد الذي يختل فيه بدنه ولا يكبر اللقمة جداً ولا يصغرها... والأكل بالآداب أي مراعاة كل أدب من التسمية جهراً بابتدائه ونية التقوى على طاعة الله وغسل اليدين وخاصة إن كانت اليد وسخة والأكل على الأرض إن أمكن لا على مائدة مرتفعة والجلوس على احدى رجليه وهي اليسرى ورفع الأخرى وإلصاقها ببطنه إن أمكنه ذلك والأكل مما يليه إذا كان لا يختلف وتصغير اللقمة وتجويد المضغ وترك النظر إلى لقمة صاحبه، وليس من الأدب أن يلعق أصابعه قبل تمام الطعام ثم يردها في القصعة وليس من الأدب أن ينحني على الطعام بحيث يسقط من فمه شيء وليس من الأدب أن ينفض يده في القصعة ومن الآداب الحمد سراً بعد انتهائه من الطعام ولعق الأصابع إن أكل بها وغسلها ومسح الأيدي والفم وغسل ذلك بعد الطعام ومنها لقط ما سقط من الطعام منها الأكل باليمين إلا إذا كان من باب مساعدة الشمال لليمين وعدم جولان يده إلا أن يكون مع أهله وولده وحيث يباح الجولان "وفتحوا الباب لكل سار". هذا تأكيد ما مر معنا من قبل "وأكلوا بالرفق والإيثار". المراد بالرفق التأني في الأكل بحيث يصغر اللقمة ولا يرفع أخرى حتى يبلغ ما في فيه ويجيد المضغ ويلوك طعامه إلى أن يمضغه مضغاً ولا يظهر الشره والحرص بل يظهر القناعة والغنى عنه. والأكل بالإيثار هو أن يؤثر غيره على نفسه إن كان الطعام قليلاً أو كان فيه ما يشتهى فيقدمه لغيره ونختم هذا الباب بالتذكير بأن من الأدب تشييع الضيف إلى باب الدار وبالتذكير بقول أبي عبد الرحمن السلمي قال: قال بعض مشايخ الصوفية: واجب على المضيف ثلاثة أشياء وعلى الضيف ثلاثة أشياء فأما على المضيف بأن يطعمه من الحلال ويحفظ عليه مواقيت الصلاة ولا يحبس عنه ما قدر عليه من الطعام وعلى الضيف أن يجلس حيث يجلسه وأن يرضى بما قدم إليه ولا يخرج إلا بعد استئذان...

 

"فصل من آدابهم في السماع":

رأينا أن الإنشاد مهيج على السير ومساعد عليه كما رأينا أنه يخدم خدمات متعددة ومن ثم اعتمده الصوفية وهو موضوع ذكرناه من قبل وبينا ما له وما عليه ورأينا كيف أن الأصل في سماع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هو استماع القرآن وما سوى ذلك كان عارضاً وضمن حدود فهو بالنسبة لمجموع قوت القلوب كالملح بالنسبة للطعام وعلى كل حال فكونه له أصله وكونه معتمداً فلا بد أن نلاحظ آدابه ومن ثم فقد تحدثوا في كتبهم عن السماع وآدابه. ولذلك فقد خصص صاحب المباحث الأصلية لذلك فقرة وكان جزء من هذه الفقرة حول آدابهم في السماع ولننقل بعض هذا الجزء من الفقرة مع شيء من التعليقات عليها مستأنسين بشرح ابن عجيبة: قال صاحب المباحث: "ولا يجوز عنده التكلم". أي لا ينبغي التكلم أثناء السماع لأن الكلام يبعد عن الفرض في السماع فإذا كانت جلسة السماع لحكمة فإن هذه الحكمة تنتفي بسبب وجود الكلام ثم قال: "ولا التلاهي لا ولا التبسم". وذلك لأن التلاهي عنه اشعار بعدم الأدب فيه وهذا يقتضي ألا يحضر أصلاً، وأما التبسم أثناءه فلما يشعر من الازدراء أو الاستهجان أو الاستهزاء أو غير ذلك ومن ثم فإنهم يعتبرونه إساءة أدب وبالجملة نقول: إن  جلسات السماع إنما هي بمثابة الأدوية وبمثابة المساعدات على بعض المعاني فالإنسان بين أمرين إما أن يحضرها ويعطيها حقها وإما ألا يحضرها أصلاً:

 

                   والزعقات فيه والتمزيق                         ضعف وهز الرأس والتصفيق

 

أي أن الصياح وتمزيق الثياب وتحريك الرأس وضرب الكف بالكف كل ذلك من مظاهر الضعف. قال ابن عجيبة بعد ذكره ما مر: إنما يصدر من ضعيف الحال الذي هو مغلوب للأحوال أما القوي المالك للأحوال فلا يصدر منه شيء من ذلك. أقول: إذا كان مثل هذا يعتبر ضعفاً فما بالك بمن يفعل أكثر من ذلك لقد آن الأوان أن يضبط السائرون إلى الله تصرفاتهم فلا يكونون محل الإنكار من العامة والخاصة بل محل الاستهجان. لقد آن الأوان لحياة روحية منضبطة بالحدود التي كان عليها الصحابة رضوان الله عنهم وضمن هذه الحدود فإننا لا نبالي بقول قائل. أما ما زاد على هذه الحدود فقد آن الأوان لنقسر أنفسنا على تركه فنرحم بذلك أنفسنا ونرحم المسلمين:

 

                   ولم يكن لأجله اجتماع                         ولا لدى غيبته انصداع

 

وما ذلك إلا لأن السماع ليس ركناً في الطريق ولا شرطاً فيه فهو إن وجد كان وإذا لم يوجد لا يفتقد فليس هو محور الاجتماع وللأسف فإن كثيرين من الصوفية أصبح السماع هو الذي يجمعهم فأصبح المنشد هو مركز الاجتماع لا الشيخ ولا السير إلى الله وهذا إخراج للأمور عن مواضعها ثم ذكر الشيخ بعد ذلك كيف أن سماع القوم لا ترافقه آلة لهو فقال: "ولم يكن فيه مراستونا". أي مدنونون كعادة أهل اللهو إذا فرغ المغني من غنائه دندنوا له إظهار لتجاوبهم وانسجامهم "ولا طنابر ومسمعونا". الطنابر جمع طنبور وهو شبيه بالعود في صورته وقيل هو نفسه، والمسمعون هم المرصدون للغناء في الولائم يسمعون الناس غناءهم فنشيدهم إذن نشيد غير متكلف ولا ترافقه ما يرافق الغناء من آلات وعادات "وليس أيضاً كان فيه طار". الطار هو ما يكون له صحات "ولا مزاهر ولا تنقار". المزاهر جمع مزهر وهو المجلد من جهتين دون أن يكون له شراشر والتنقار في البيت هو فعل النقر فكل ما يسمى نقراً ليس موجوداً في حلقاتهم سواء كان نقر طبلة أو نقر كوبة وهي التي يسميها الناس الآن دربكة أو نقر عود "والشمع والفرش والتكالف... أحلف ما كانت يمين حالف". يعني أنهم لا يتكلفون بالسماع حتى يحضروا الشموع الموقدة والفرش الممهدة والوسائد المزوقة وإنما يحضرون له على حالة الفاقة والابتذال على ما يصادف الوقت والحال وليس مراده أنها محرمة بل مراده أن طريق القوم عدم التكلف. ثم ذكر صاحب المباحث أصل نشأة السماع عند القوم وأسباب وجوده وذكر بعد ذلك أن من آدابهم أن ينهوا جلسات السماع بالمذاكرة وشروح ما قيل فقال: "فإن تمادى وأتم الشعر". أي إن استمر المنشد في إنشاده حتى أتم قصيدته "أبدوا من الشرح عليه سفراً". السفر هو الكتاب والمراد أنهم بعد الإنشاد يتذاكرون فيما قيل ويشرحونه ليوضع الإنشاد على مواضعه في المعاني ليرتقي السامعون إلى أعلى درجات الإدراك لخفي المعاني فتنشط هممهم نحو  تحصيل المقامات.

 

"فصل مختارات من توجيهات ابن عطاء":

"من علامة الاعتماد على العمل نقصان الرجاء عند وجود الزلل". "اجتهادك فيما ضمن لك وتقصيرك فيما طلب منك دليل انطماس البصيرة منك". "الأعمال صور قائمة وأرواحها وجود سر الإخلاص فيها". "تشوقك إلى ما بطن فيك من العيوب خي من تشوقك إلى ما حجب عنك من الغيوب". "من لم يشكر النعم فقد تعرض لزوالها ومن شكرها فقد قيدها بعقالها". "من رأيته مجيباً عن كل ما سئل ومعبراً عن كل ما شهد وذاكراً كل ما علم فاستدل بذلك على وجود جهله". "الحزن على فقدان الطاعة مع عدم النهوض إليها من علامات الأغترار". "لا يخاف عليك أن تلتبس الطريق عليك وإنما يخاف عليك من غلبة الهوى عليك". "كن بأوصاف ربوبيته متعلقاً وبأوصاف عبوديتك متحققاً، منعك أن تدعي ما ليس لك مما للمخلوقين أفيبيح لك أن تدعي وصفه وهو رب العالمين". "الناس يمدحونك لما يظنون فيك فكن أنت ذاماً لنفسك لما تعلمه منها، المؤمن إذا مدح استحيا من الله تعالى أن يثني عليه بوصف لا يشهده من نفسه، أجهل الناس من ترك يقين ما عنده لظن ما عند الناس، إذا أطلق الثناء عليك ولست بأهل فاثن عليه بما هو له أهل". "إذا وقع منك ذنب فلا يكن سبباً ليأسك من حصول الاستقامة مع ربك فقد يكون ذلك آخر ذنب قدره عليك". "استشرافك أن يعلم الخلق بخصوصيتك دليل على عدم صدقك في عبوديتك". "خير علم ما كانت الخشية معه، العلم إن قارنته الخشية كان لك وإلا فعليك". "من أثبت لنفسه تواضعاً فهو المتكبر حقاً إذ ليس التواضع إلا عن رفعة، فمتى أثبت لنفسك تواضعاً فأنت المتكبر، ليس المتواضع الذي إذا تواضع رأى أنه فوق ما صنع ولكن المتواضع الذي إذا تواضع رأى أنه دون ما صنع، التواضع الحقيقي هو ما كان ناشئاً عن شهود عظمته وتجلي صفته".

 

"فصل في الأخلاق الجامعة":

في كتابنا / جند الله ثقافة وأخلاقاً / ذكرنا أن الأخلاق الأساسية للمسلم التي إليها مرجع كل خلق هي ما ذكره الله عز وجل في آيات الردة من سورة المائدة في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأت الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم، إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون، ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون}. فهذه الآيات ذكرت أخلاقاً خمسة هي قوام أخلاقية حزب الله وأي تفريط في واحدة من هذه الأخلاق يعني انحرافاً ما عن هذه الأخلاقية الرفيعة وما أكثر الذين يفرطون، ونحيل القارئ إلى ذلك الكتاب وهو أحد أجزاء هذه السلسلة وفي رسالة / من أجل خطوة إلى الأمام على طريق الجهاد المبارك / من هذه السلسلة أبرزنا كيف أن خصائص الجماعة المسلمة حددتها آيات سورة الشورى هذه {فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل، إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور}. لاحظ أن الشورى كخصيصة من خصائص الجماعة الإسلامية جاءت بين الصلاة والإنفاق فما أكثر أهميتها إذن وما أشد تفريط المسلمين فيها ولاحظ أن الانتصار من الظلم والظالمين هو أحد خصائص الجماعة المسلمة قال النسفي: "وكانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم فيجترئ عليهم الفساق ولاحظ أن الانتصار ينبغي أن يكون في حدود العدل ولاحظ خطأ الناس إذ يلومون المظلوم إذا انتصر ولا يلومون الظالم على بغيه والله عز وجل يقول: {ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق}. ثم لاحظ بعد ذلك كله تربية الكثير من صوفيي عصرنا ومحلها في مجموع هذه الأخلاق الجامعة لترى الانحراف في باب الأخلاق عند الكثيرين منهم بشكل واضح ولتعلم كيف أن تصوف الحركة الإسلامية المعاصرة هو التصوف الصحيح بإذن الله وتوفيقه.

هذه فصول متفرقة في بعض مواقع مهمة في كل منها لفتنا النظر إلى آداب أو أخلاق أو أحكام سلوكية ولم نرد إحاطة في الأمر بل أردنا أن نلفت النظر إلى قضية الآداب والأخلاق في التصوف بشكل أخص وفي الإسلام بشكل أعم ليعرف محل ذلك فإنه وإن كانت هذه الرسالة نقطة علام على الطريق فإنه من النقص فيها أن لا يكون بارزاً فيها بعض الأمور وفي الباب القادم سنذكر فصولاً متفرقات نعتبرها كذلك مما ينبغي أن يتعرض لها في كتاب عن التصوف ولو كان مختصراً ومن ثم كان الباب القادم "في فصول شتى".

 

|السابق| [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

تربيتنا الروحية 

فصول في الأمرة والأمير 

هذه تجربتي وهذه شهادتي 

الإجابات 

إحياء الربانية 

الرسول صلى الله عليه وسلم 

غذاء العبودية 

قوانين البيت المسلم 

موسوعة الكتب الحركية Book Select Book Select Book Select


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca